تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12.44

وهكذا أعلن الملأ أن رؤيا الملك ليست سوى أخلاط أحلام بلا معنى. و " الضغث " هو حزمة من الحشائش مختلفة الأجناس فكأن رؤيا الملك لا تأويل لها عندهم لأنهم ليسوا من أهل التمييز في التأويل. وهذا صدق من البطانة في ألا يخبر أحدهم بشيء، إلا إذا كان على علم به ولا يضير أحدهم أن يعلن جهله بأمر ما لا يعلمه. والذي يعلن جهله بأمر لسائله - ويكون قد علمه - يجعله يسأل غيره، أما إن أجاب بجواب فربما جعله يثبت على هذا الجواب. ولذلك قال العلماء ليفسحوا مجال الصدق في الفتيا: " من قال لا أدري فقد أفتى " لأنه حين يقول " لا أدري " سيضطرك إلى أن تسأل غيره. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وقال الذي... ﴾.

12.45

وكان الذي نجا من السجينين يسمع مقالة الملك ورد الملأ فاسترجع بذاكرته ما مر عليه في السجن، وكيف رأى الرؤيا، وكيف قام يوسف بتأويلها. وقوله: ﴿ وادكر بعد أمة.. ﴾ [يوسف: 45]. يعني: أنه أجهد عقله وذهنه وافتعل التذكر لأن فترة لا بأس بها من الزمن قد مرت، وكلمة " أمة " تعني فترة من الزمن كما في قول الحق تبارك وتعالى:

ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون

[هود: 8]. و " الأمة " قد يراد بها الجماعة من الناس، ويراد بها أيضا الرجل الجامع لكل صفات الخير، كما قال الحق سبحانه في وصف إبراهيم عليه السلام:

إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين

[النحل: 120]. أي: أن كل خصال الخير مجموعة في إبراهيم عليه وعلى نبينا السلام، وبعد أن افتعل ساقي الملك واجتهد ليتذكر ما حدث له منذ فترة هي بضع سنين أيام أن كان سجينا ورأى رؤيا منامية أولها له يوسف، قال الساقي للملأ وللملك عن تلك الرؤيا: ﴿ أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ﴾ [يوسف: 45]. وبذلك استأذن ليذهب إلى من يؤول له رؤيا الملك. وقوله: ﴿ فأرسلون ﴾ [يوسف: 45]. يعني أن التأويل ليس من عنده بل هو يعرف من يستطيع تأويل الرؤى. ونلحظ أن القرآن لم يحمل على لسان هذا الرجل: إلى من سوف يذهب لأن ذلك معلوم بالنسبة له ولنا، نحن الذين نقرأ السورة. وانتقل القرآن من طلب الإرسال إلى لقاء يوسف عليه السلام فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان ساقي الملك: ﴿ يوسف أيها... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٧٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٧٥٢