تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12.91

و " تالله " قسم بالله. و ﴿ آثرك الله علينا.. ﴾ [يوسف: 91]. أي: خصك بشيء فوق ما خص به الآخرين، وهو لم يؤثرك بظلم لغيرك، ولكنك كنت تستحق ما آثرك به من الملك وعلو الشأن والمكانة. وهكذا صدق إخوة يوسف على ما قاله يوسف، واعترفوا بخطيئتهم، حين حاولوا أن يكونوا مقربين مثله عند أبيهم، ولكنك يا يوسف وصلت إلى أن تصير مقربا مقدما عند رب أبينا ورب العالمين. والشأن والحال التي كنا فيها تؤكد أننا كنا خاطئين، ولا بد أن ننتبه إلى الفرق بين " خاطئين " و " مخطئين ". والعزيز قد قال لزوجته:

واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين

[يوسف: 29]. ولم يقل لها " كنت من المخطئين " فالمادة واحدة هي: " الخاء " و " الطاء " و " الهمزة " ، ولكن المعنى يختلف، فالخاطئ هو من يعلم منطقة الصواب ويتعداها، أما المخطئ فهو من لم يذهب إلى الصواب لأنه لا يعرف مكانه أو طريقه إليه. ويقول الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف عليه السلام لإخوته بعد أن أقروا بالخطأ: ﴿ قال لا تثريب... ﴾.

12.92

والتثريب هو اللوم العنيف، وهو مأخوذ من الثرب فحين يذبحون ذبيحة، ويخرجون أمعاءها يجدون حول الأمعاء دهنا كثيفا هذا الدهن يسمى ثرب. أما إن كانت هزيلة، ولم تتغذ جيدا، فأمعاؤها تخرج وقد ذاب من عليه هذا الثرب. والتثريب يعني: أن اللوم العنيف قد أذاب الشحم من لحمه، وجعل دمه ينز، ويكاد أن يصل بالإنسان إلى أن ينزل به ويسله. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها، ولو بحبل من شعر ".

أي: لا يقولن لها: يا من فعلت كذا وكذا، بل فليعاقبها بالعقاب الذي أنزله الله لمثل هذه الجريمة فإن لم ترتدع عن الفعل فليبعها، وهكذا نفهم أن التثريب أو اللوم العنيف قد يولد العناد. وقال يوسف عليه السلام: ﴿ اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ﴾ [يوسف: 92]. ولقائل أن يتساءل: ولماذا قال يوسف ذلك وقد يكونون قد استغفروا الله من قبل؟ ونقول: إن دعوة يوسف بالمغفرة لهم جاءت في حدود معرفته ولتصفية النفوس مما شابها بهذا اللقاء. وقوله: ﴿ وهو أرحم الراحمين ﴾ [يوسف: 92]. هو فهم لحقيقة أن أي رحمة في العالم، أو من أي أحد إنما هي مستمدة من رحمته سبحانه. وقد قال يوسف ذلك وهو واثق من إجابة دعوته، لأنه قد غفر لهم خطأهم القديم وعفا عنهم والله أولى منه بالعفو عنهم. ثم يعود الحديث بينه وبينهم إلى والدهم، فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف لإخوته، وهو الذي علم ما حدث لأبيه بعد فراقه له: ﴿ اذهبوا بقميصي... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٧٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٧٨٥