CHECK [476_2]
الحكيم، يعرف تأويل القرآن والفقه والحديث والفلسفة وعلم الحيل وجر الأثقال والتصوير والهندسة والطبيعة، إلى معرفته الواسعة بالسياسة والحرب. وكان على الكاتب المثقف في ذاك العصر إتقان الفلك والطبيعيات والرياضيات فضلا عما يحتاج إليه من لغة ونحو وتصريف وتاريخ وشريعة. وكانت العجم تقول: من لم يكن عالما بإجراء المياه، وبحفر فرض الماء والمسارب، وردم المهاويب ومجاري الأنهار في الزيادة والنقصان، واستهلال القمر وأفعاله، ووزن الموازين وذرع المثلث والمربع الزوايا، ونصب القناطر والجسور والدوالي والنواعير على المياه، وحال أدوات الصناع، ودقائق الحساب كان ناقصا في حال كتابته.
وما روي من مجالس ابن العميد وتنوقل من آرائه يؤذن بأنه لم يكن نتفة في هذه العلوم، بل كان مشاركا أعظم مشاركة. قالوا كان إذا طرأ عليه أحد من منتحلي العلم، فأراد امتحان عقله سأله عن بغداد، فإن فطن لخواصها، وتنبه على محاسنها، وأثنى خيرا عليها، جعل ذلك مقدمة فضله، وعنوان عقله، ثم يسأله عن الجاحظ فإن وجد عنده أثرا لمطالعة كتبه، والاقتباس من ألفاظه، وبعض القيام بمسائله، قضى له بأنه غرة شادخة في أهل العلم، وإن وجده ذاما لبغداد، غفلا عما يجب أن يكون موسوما به من الانتساب إلى المعارف التي يختص بها الجاحظ، لم ينفعه بعد ذلك شيء من المحاسن.
هذا تصوير لبعض مناحي الأستاذ الرئيس، ولم نجار من توسعوا في تصوير سيرته وبالغوا في أدبه واكثروا ومنهم الثعالبي في يتيمة الدهر ومسكويه في تجارب الأمم. لا جرم أن ابن العميد عظيم بأدبه، ولكن ألا يذهب الفكرإلى أنه كان له بحكم منصبه السامي - ومفاتيح خزائن الدولة في يده يفضل على العلماء والشعراء من قاصديه غير قاصديه - ما زاد في شهرته، وعظم في النفوس أدبه؟ وربما كان من حب بعضهم له أن جملوا صورته على غير قصد.