تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

CHECK [386_2]

البشر كالبكاء والإبكاء، أن يهذب الناس في هذه الناحية. والمرء يتعلم بالضحك أكثر مما يتعلم بالعبوس. وهو يريد أن لا يكون المرء جامدا ولا سائلا بل في حالة بين بين. قال في تعليل استعمال الهزل وفي منافعه ومضاره وفي حكمته وغايته:

أن الكلام قد يكون في لفظ الجد ومعناه معنى الهزل، كما يكون في لفظ الهزل ومعناه معنى الجد، ولو استعمل الناس الدعابة في كل حال، والجد في كل مقال، وتركوا التسميح والتسهيل، وعقدوا في كل دقيق وجليل، لكان السفه صراحا خيرا لهم، والباطل محضا أرد عليهم، ولكن لكل شيء قدر، ولكل حال شكل، فالضحك في موضعه، كالبكاء في موضعه، والتبسم في موضعه كالقطوب في موضعه، وكذلك المنع والبذل، والعقاب والعفو، وجميع القبض والبسط، فإن ذممنا المزاح، ففيه لعمري ما يذم، وإن حمدناه، ففيه ما يحمد، وفصل ما بينه وبين الجد أن الخطأ إلى المزاح أسرع، وحاله بحال السخف أشبه، فأما أن يذم حتى يكون كالظلم، وينعى حتى يكون كالغدر فلا. لأن المزاح مما يكون مرة قبيحا ومرة حسنا، والظالم لا يكون مرة قبيحا ومرة حسنا.

والمزاح باب ليس المخوف فيه التقصير، ولا يكون الخطأ فيه من جهة النقصان. وهو باب متى فتحه فاتح، وطرق له مطرق، لم يملك من سده مثل الذي يملك من فتحه. ولا يخرج منه بقدر ما كان قدم من نفسه، لأنه باب أصل بنائه على الخطأ، ولا يخالطه من الأخلاق إلا ما سخف، ومن شأنه التزيد، وأن يكون صاحبه قليل التحفظ، ولم نر شيئا أبعد من شر، ولا أطول له صحبة ولا أشد خلافا، ولا أكثر خلطا، من الجد والمزاح، والمناظرة والمراء.

هذا قوله في رسالته التربيع والتدوير، وهي الرسالة التي عبث فيها بأحمد بن عبد الوهاب الكاتب، وقد أبدع فيها ما شاء إبداعه، وعاد بعد حين فقال: وقد ذهب

أمراء البيان · الصفحة ٣٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمراء البيانص ٣٨٨