تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

CHECK [336_2]

ينهض من وكره في الجبال أو بفارس أو باليمن فيؤم ويعمد نحو بلاد الدار صيني وهو لم يجاوز موضعه ولا قرب منه، وليس يخلو هذا الطائر أن يكون من الأوابد، وأن كان من القواطع، فكيف يقطع الصحيحان الأملس وبطون الأودية وهضاب الجبال، وبالتدويم في الجواء والمضي على السمت، لطلب ما لم يزه ولم يشمه ولم يذقه، وأخرى فإنه لا يجلب منه بمنقاره ورجليه ما يصير فراشا له ومهادا إلا باختلاف الطويل، وليس بالوطئ الوثير، ولا هو له بطعام. فإنا وأن كنت لا أعرف العلة، فلست أنكر الأمور من هذه الجهة فأنكر هذا. والجاحظ ينظر إلى الحيوان في تولده ونشأته وموطنه وخصائصه وتربية صغاره وزقها وإطعامها من لبن أو لعاب أو نبات أو غير ذلك، ويعرف تأثره بالحر والبرد وبالشمس والظل، وحذره من الآدميين إلى غير ذلك، فكيف يجوز له عقله أن يقطع ذاك الطير ألوفا من الأميال ليبني عشه بمادة ليست له طعاما ولا هي مما يستلينه، ما دام عقله رائده الذي لا يكذب، وخليله بحثه ونظره.

قال في رأي أرسطو وزعمه أن ولد الفيل يخرج من بطن أمه نابت الأسنان لطول مكثه في بطنها: وهذا جائز في ولد الفيل غير منكر، لأن جماعة نساء معروفات الآباء والأبناء قد ولدن أولادهن، ولهم أسنان نابتة كالذي رووا في شأن مالك بن أنس ومحمد بن عجلان وغيرهما، وقد عزم ناس من أهل البصرة أن خاقان بن عبد الله الأهتم استوفى في بطن أمه ثلاثة عشر شهرا، وقد مدح بذلك وهجي، وليس ذلك بالمستنكر، وأن كنت لم أر قط قابلة تقر بشيء من هذا الباب، وكذلك الأطباء، وقد رووه كما علمت، ولا أقر أن الولد يخرج رأسه من بطن أمه حتى يأكل شبعة ثم يدخل رأسه، ولست أراه محالا ولا ممتنعا في القدرة ولا في الطبيعة، وأرى جوازه موهوبا غير مستحيل، إلا أن قلبي ليست يقلبه. وليس في كونه ظلم ولا عيب ولا خطأ، ولا يقصر في شيء من الصفات المحمودة، ولم نجد

أمراء البيان · الصفحة ٣٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمراء البيانص ٣٣٦