CHECK [275_2]
يدخل في باب الآداب، ولا يستنكف من الأخذ عن صغير الناس وكبيرهم ويكشف كل غامض، ويستقري ويستنبط، خليق أن يفعل أدبه في النفوس، وأن يكون كلامه راحا للأرواح.
قيل إن الكتابة الصحيحة صعبة المراس، وأصعب منها اختراع تركيب جديد، وأن جودة الكتابة تتوقف على استبطان أسرار الأشياء؛ ومنها أن يسلي الكاتب السامع بالمناظر المختلفة، يجمع له منها أصنافا، وينقله في الأحاسيس، ويبعد به عن المهجورات والمكررات، ويهيب به إلى الإشراف على ما تخترع قريحته، ويتكشف عنه بيانه. وهذا القول أيضا يصدق على الجاحظ تأملت تراكيبه، وبصره بالأشياء، حتى لا يترك قولا لغيره إذا بدا له أن يقوله.
فصلان للجاحظ أبدع فيهما الإبداع كله. أحدهما في وصف الكتاب والثاني في وصف الحسد. ولعل إجادة الجاحظ تجلت لنا فيهما لأن موضوعهما مما أهمه كثيرا. ومن أعرف بنفع الكتب من سيد من صنفها، ومن أقدر على وصف الحسد، من العارف بمدب هذا الداء من نفوس الحساد، ومن كان طول حياته غرضا لهم يحاولون أن يصيبوه فيتقيهم. انتقد بعضهم على الجاحظ حتى وضعه الكتب، فذكر لهم فضلها على الناس، ومما قال: الإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه، ولابد أن تكون كتبه أكثر من سماعه، ولا يعلم ولا يجمع العلم حتى يكون الإنفاق عليه من ماله ألذ عنده من الإنفاق من مال عدوه، ومن لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذ عنده من عشق القيان، لم يبلغ في العلم مبلغا رضيا، وليس ينتفع بإنفاقه حتى يؤثر اتخاذ الكتب إيثار الأعرابي فرسه باللبن على عياله، وحتى يؤمل في العلم ما يؤمل الأعرابي في فرسه.
وقال بعد مقدمة: وأنا أحفظ وأقول: الكتاب نعم الذخر والعقدة، والجليس والعمدة، ونعم النشوة ونعم النزهة، ونعم المستغل والحرفة، نعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم