تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

CHECK [233_2]

ولعل حب التأنق الذي غلب عليه منذ نشأته الأولى، دعاه إلى أن يخرج من كلامه إلى المجود المنقح، وأن يعمد إلى الإيجاز في منظومه ومنثوره، لايكتب إلا ما رأى بعينه، وتخيله بحسه ونفسه وكان إذا قال شعرا اختاره وأسقط رذله وأثبت نخبته، وإذا كتب أوجز وألبس المعنى قالبا شفافا من نسجه، ليس بالفضفاض المسترسل، ولا بالضيق المخنوق. ذكره أبو زيد البلخي فقال: كان من أبلغ الناس في الكتابة، حتى صار كلامه مثلا. والمثل لا يدور على الألسن إلا لاختصاره، والشعر لا تتناقله الألسن إلا لسهولة حفظه، ولما فيه من إيقاع ووزن وتساوق. ولا يزال المتصفح لكلامه يقع له على المعنى الكثير في الجملة القصيرة، فكان حقا كما قالوا: كاتبا من أشعر الكتاب وأرقهم لسانا، وأسيرهم مثلا، وهو أشعر نظرائه الكتاب. . . وأشعاره قصار، ثلاثة أبيات ونحوها إلى العشرة، وهو أنعت الناس للزمان وأهله غير مدافع، وهذا من أعظم ما امتاز به، لأنه عرف أخلاق الناس في نكبته.

وأبان إبراهيم عن طريقته وسبب نجاحه في تنضيد درره فقال: ما اتكلت في مكاتبتي قط إلا ما يجلبه خاطري، ويجيش به صدري، إلا قولي: وصار ما يحرزهم يبرزهم، وما كان يعقلهم يعتقلهم. وقولي في رسالة أخرى: فاستزلوه من معقل إلى عقال، وبدلوه آجالا من آمال. فإني ألممت بقولي آجلا من آمال مسلم بن الوليد الأنصاري المعروف بصريع الغواني وهو:

موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل

وفي العقل والعقال بقول أبي تمام:

فإن باشر الإصحار فالبيض والقنا ... قراه وأحواض المنايا مناهله

وإن يبن حيطانا عليه فإنما ... أولئك عقلاته لا معاقله

وإلا فأعلمه بأنك ساخط ... عليه فإن الخوف لا شك قاتله

أمراء البيان · الصفحة ٢٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمراء البيانص ٢٣٣