تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

CHECK [345_2]

وبهذا رأيناه يقول بتطور الأحياء بحسب البيئة وتعاقب الأيام، ويعلل ذلك تعليلا مقبولا كما يعلل أشياء أخر مثل عذوبة المطر والثلج، وملوحة مياه البحر. وكل ما وصفه من أنواع الحيوان وصفه وصفا دقيقا، كأنه رآه المرة بعد المرة وأجرى تجاربه عليه ودقق فيه، ونظر ما قاله فيه من قبله، فما وافق الحس والعقل من أقوالهم فبله، وما لم يوافق عليه رده مع إيراد الأسباب الداعية له إلى رده.

ومما قال: بالبصرة ثلاث أعجوبات ليس في غيرها من البلدان، ومنها أن عدد المد والجزر في جميع الدهر شيء واحد، فيقبل عنده حاجتهم إليه، ويرتد عند استغنائهم عنه. ثم لا يبطئ عنها إلا بقدر هضمها واستمرائها وجمامها واستراحتها، لا يقتلها عطشا ولا غرقا، ولا يغبها ظمأ ولا عطشا، يجيء على حساب معلوم، وتدبير منظوم، وحدود ثابتة، وعادة قديمة، يزيدها القمر في امتلائه، كما يزيدها في نقصانه، فلا يخفى على أهل الغلات متى يتخلفون، ومتى يذهبون ويرجعون، بعد أن يعرفوا موضع القمر، وكم مضى من الشهر، فهي آية وأعجوبة، ومفخرة وأحدوثة، لا يخافون المحل، ولا يخشون الحطمة.

وقال أيضا: من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم، وأن يميتوا ذكر أعدائهم، فقد هدموا بذلك السبب المدن وأكثر الحصون، كذلك كانوا أيام العجم وأيام الجاهلية، وعلى ذلك هم في أيام الإسلام، كما هدم عثمان صومعة غمدان، وكما هدم الآطام التي كانت بالمدينة، وكما هدم زياد كل قصر ومصنع كان لابن عامر، وكما هدم أصحابنا العباسيون بناء مدن الشامات لبني مروان.

يكلمك الجاحظ تارة في رغبات الناس في العلوم، ويذكرك بأنه لم تظهر له العلة فيها، إلا أنه يعجب من الوسط في صناعته، ومن كانت فطرته غير مؤاتية، فيقول: صار طلب الحساب أخف على بعضهم، وطلب الطب أحب إلى بعضهم، وكذلك النزاع إلى المندسة، وشغف أهل النجوم بالنجوم، فتجد واحدا يلهج بطلب

أمراء البيان · الصفحة ٣٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمراء البيانص ٣٤٥