تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

CHECK [428_2]

ثم اعلم، علمك الله الخير، أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سره وعلانيته، فأما ما كان سرا فلم أجد له من يتحلى بحقيقته راغبا، وأما ما كان علانية فلم أصب من يحرص عليه طالبا، على أني جمعت أكثرها للناس، ولطلب المثالة منهم، ولعقد الرياسة بينهم، ولمد الجاه عندهم فحرمت ذلك كله، ولا شك في حسن ما اختاره الله لي، وناطه بناصيتي، وربطه بأمري، وكرهت مع هذا وغيره، أن تكون حجة علي لا لي.

ومما شحذ العزم على ذلك، ورفع الحجاب عنه، أني فقدت ولدا نجيبا، وصديقا حبيبا، وصاحبا قريبا، وتابعا أديبا، ورئيسا منيبا، فشق على أن أدعها لقوم يتلاعبون بها، ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشتمون بسهوي وغلطي إذا تصفحوها، ويتراءون نقصي وعيبي من أجلها، فإن قلت ولم تسمهم بسوء الظن، وتقرع جماعتهم بهذا العيب، فجوابي لك أن عياني منهم في الحياة، وهو الذي حقق ظني بهم بعد الممات، وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صح لي من أحدهم وداد، ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ؛ ولقد اضطررت بينهم بعد الشهرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق، وإلى ما لا يحسن بالحر أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه الألم، وأحوال الزمان بادية لعينك، بارزة بين مسائك وصباحك، وليس ما قلته بخاف عليك، مع معرفتك وفطنتك، وشدة تتبعك وتفرغك، وما كان يجب أن ترتاب في صوب ما فعلته وأتيته، بما قدمته ووصفته، وبما أمسكت عنه وطويته، إما هربا من التطويل، وإما خوفا من القال والقيل.

وبعد فقد أصبحت هامة اليوم أو غد، فإني في عشر التسعين وهل لي بعد الكبرة والعجز أمل في حياة لذيذة، أو رجاء لحال جديدة، ألست من زمرة من قال القائل

أمراء البيان · الصفحة ٤٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمراء البيانص ٤٢٩