تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

CHECK [286_2]

قالوا إن مدار البلاغة علة تحسين اللفظ وتجميل الصورة وحظ الجاحظ من هذا كان جزيلا. حسنت بلاغته في كل عين، لتجميلها ببراعته في تخير جيد الألفاظ، وتجافيه عن استخدام الثقيل في ميزانه، وقد ينبذ اللفظ الواحد ويستعمل معناه، ويؤدي المعنى بعده ألفاظ، واللفظة الواحدة تجزئه، وفي ألفاظ الأعيان يضع الشيء موضعه، ويطبق كل اسم على مسماه. قال مرة: ليس للعرب اسم لما لا يبصر بالليل، وهو الذي يقال له سبكور، أكثر من أن يقولوا به هدبد. وقال في وصف كتاب بالقدم كتاب متقادم الميلاد دهري الصنعة، وكأنه كان يضع بعض ألفاظ أو يستعمل مالا عهد باستعماله قبله مثل قوله: القرويون والبلديون، اللغويون والمعنويون أطلق هذا على من يشتغلون بالألفاظ ويشتغلون بالمعاني، فمعرفة أبي عثمان بوقع الكلمة في نفس القارئ وتمييزه الدقيق بين حي الألفاظ وميتها، وسهلها وصعبها، سبب أول في تفوقه في بلاغته.

وملاك الأمر عنده أبدا أن يكون اللفظ سمحا لاكزا، والابتعاد عن المعاني التافهة، والقوالب المستكرهة؛ ولطالما أوصى طلاب البلاغة أن لا يكون اللفظ عاميا ساقطا سوقيا، ولا وحشيا غريبا وقال: الاستعانة بالغريب عجز إلا أن يكون المتكلم بدويا أعرابيا، فإن الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقي رطانة السوقي؛ والمعول عليه في هذا الباب أن لا يكلم العامة بكلام الخاصة ولا الخاصة بكلام العامة؛ فهو إذا ممن سعوا في تدميث اللغة، على نحو ما تدمثت طبائع العربية بالحضارة.

وقد أبان عن طريقته الواضحة فقال: قد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها، والعامة ربما استخفت أقل اللغتين وأضعفهما، وتستعمل ما هو أقل في أصل اللغة استعمالا، وتدع ما هو أظهر وأكثر، ولذلك صرنا نجد البيت من الشعر قد سار، ولم يسر ما هو أجود منه، وقد يحتاج إلى السخيف في

أمراء البيان · الصفحة ٢٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمراء البيانص ٢٨٦