تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

CHECK [390_2]

غير رجال الهزل، وقد يحسن الشيء بالشباب ويقبح مثله من الشيوخ، ولولا التحصيل والموازنة، والإبقاء على الأدب والديانة، لشدة المحاسبة، لما قالوا لكل مقام مقال، ولكل زمان رجال.

ربما لم ننس أن الجاحظ كان دميم الوجه، قبيح التقاطيع، مختل القسمات وكان الأخفش أحد مشايخه - والأخفش الصغير العينين مع سوء بصرهما - أجلع أيضا - والأجلع الذي لا تنضم شففتاه على أسنانه - ولا شك أن الشيخ وتلميذه كانا إذا اجتمعا، والجاحظ ناتئ العينين، تألفت منهما صورتان غريبان. ولعل أبا عثمان لم يرض كما قالوا أن يفارق شيخه بعد أن أخذ ما عندهن وآثر أن يبقيا صديقين لبعض المشاكلة في الصورة والخلق، ولعل الجاحظ ما تعفف كثيرا عن العبث بأستاذه، وهو ابن النكتة الحارة لا الباردة، وعنده أن النادرة الباردة جدا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدا، وإنما الكرب الذي يخيم على القلوب، ويأخذ بالأنفاس، النادرة الفاترة التي لا هي حارة ولا هي باردة، وكذلك الشعر الوسط والغناء الوسط، وإنما الشأن في الحارة جدا أو الباردة جدا. ولذا تراه كان يحكي نوادر العوم بألفاظ العوام، حتى لا تفقد النكتة حليتها الأولي ومؤثراتها الخاصة. قال عن نفسه إنه وصف للخليفة المتوكل لتأديب أحد أولاده، فلما رأى صورته استبشعها فصرفه. وقال عن نفسه إنه اشترى له جارية تركية جميلة رجاء أن يرزق منها ولدا يكون بحسنها وذكائه، فولدت له ولدا جاء بقبحه وجهلها.

ومن نكاته قوله: ومن البخلاء المذكورين أبو الهذيل، أهدى مرة إلى يونس بن عمران دجاجة، وكانت دون ما يتخذ ليوسف، إلا أنه لكرمه وحسن خلقه، أظهر التعجب من سمنها وطيب لحمها، فقال له: كيف رأيت يا أبو عمران تلك الدجاجة قال: كانت عجبا من العجاب، قال: أو تدري ما حسنها، وتدري ما سمنها،؟ فإن الدجاجة إنما تطيب بالسمن والحسن، وتدري بأي شيء كنا نسمنها، وفي أي مكان

أمراء البيان · الصفحة ٣٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمراء البيانص ٣٩٢