تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

CHECK [294_2]

قال: ويد الإنسان لا تكون إلا خرقاء، ولا تصير صناعا، ما لم تكن المعرفة ثقافا لها، واللسان لا يكون أبدا ذاهبا في طريق البيان، متصرفا في الالفاظ، إلا بعد أن تكون المعرفة متخللة به، منقلة له، واضعة له في مواضع حقوقه، وعلى أماكن حظوظه.

وإليك الآن منزعه في الترجمة والنقل، وما ينبغي لهما من البلاغة، وما السبيل إليها: وقال بعض من ينصر الشعر ويحوطه ويحتج له، إن الترجمان لا يؤدي أبدا ما قال الحكيم على خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه، ودقائق اختصاراته، وخفيات حدوده، ولا يقدر أن يوفيها حقوقها، ويؤدي الأمانة فيها، ويقوم بما يلزم الوكيل ويجب على الجري، وكيف يقدر على أدائها وتسليم معانيها، والإخبار عنها، على حقها وصدقها، إلا أن يكون في العلم بمعانيها، واستعمال تصاريف ألفاظها، وتأويلات مخارجها، مثل مؤلف الكتاب وواضعه؛ فمتى كان رحمه الله تعالى ابن البطريق وابن ناعمة وأبو قرة وابن فهر وابن وهيلي وابن المقفع مثل أرسطاطاليس، ومتى كان خالد مثل أفلاطون. ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة؛ وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيها سواء وغاية؛ ومتى وجدناه أيضا قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما، لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى، وتأخذ منها وتعترض عليها؛ وكيف يكون تمكن اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكنه إذا انفرد بالواحدة، وإنما له قوة واحدة، فإن تكلم بلغة واحدة استفرغت تلك القوة عليها، وكذلك إن تكلم بأكثر من لغتين، على حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات، وكلما كان الباب من العلم أعسر وأضيق، والعلماء به أقل، كان أشد على المترجم وأجدر أن يخطئ فيه، ولن تجد مترجما يفي بواحد من هؤلاء العلماء. هذا قولنا في كتب الهندسة والتنجيم والحساب واللحون؛ فكيف

أمراء البيان · الصفحة ٢٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمراء البيانص ٢٩٤