CHECK [395_2]
فقيل له: أتقول هذا مع تشيعك ودينك؟ فقال: والله لا تركت النادرة ولو قتلتني في الدنيا، وأدخلتني النار في الآخرة.
ومنها: حكى بعض أبناء البرامكة قال: تقلدت السند وحصل لي ما شاء الله ثم صرفت عنها، وكنت قد اكتسبت بها ثلاثين ألف دينار فصغتها عشرة آلاف إهليجة وجاء الصارف فركبت البحر وانحدرت إلى البصرة. فخبرت أن الجاحظ بها، وأنه عليل بالفالج، وأحببت أن أراه قبل وفاته فصرت إليه وقرعت الباب، فخرجت إلي خادمة صغرى فقلت: رجل غريب أحب أن أنظر إلى الشيخ. فبلغته، فسمعته يقول: قولي له ما تصنع بشق مائل ولعاب سائل، ولون حائل. فقلت للجارية: لا بد من النظر إليه. فقال: هذا رجل ورد البصرة، وسمع بي ويريد أن يقول رأيت الجاحظ فأذن لي فدخلت وسلمت، فرد ردا جميلا وقال: من تكون أعزك الله؟ فانتسبت له، فقال: رحم الله أسلافك وآباءك السمحاء، فلقد كانت أيامهم رياض الأزمنة، ولقد رأى بهم الخلق خيرا كثيرا، فسقيا لهم ورعيا. فدعوت له وقلت له: أنشدني شيئا، فقال:
لئن قدمت قبلي رجال فطالما ... مشيت على رسلي فكنت المقدما
ولكن هذا الدهر تأتي صروفه ... فتبرم منقوضا وتنقض مبرما
ثم نهضت، فلما قربت من الباب قال: يا فتى، أرأيت مفلوجا ينفعه الإهليج؟ قلت لا. قال: الإهليج الذي معك ينفعني، فابعث إلى منه. فقلت نعم، وعجبت من وقوعه على خبري مع كتمي له، وبعثت له منه شيئا.
قال الحصري بعد إيراد هذه القصة: وهذا يدل على كثرة بحثه وتنقيره، إذ كان وهو في هذه السن العالية، والفالج الشديد، تنشر عنده الأخبار، ولا تطوى عنه الأسرار، فكيف كان قبل هذا؟ ومن إحدى عجائبه أنه ألف كتاب الحيوان وهو على تلك الحال.