CHECK [359_2]
ومن إيثارك لما أضر بك.
وقال في مقصده الذي يرمي إليه بطريقته في تأليفه هذا: فرأيت أن جملة الكتاب وإن كثر عدد ورقه أن ذلك ليس مما يمل، ويعتد علي فيه بالإطالة، لأنه وإن كان كتابا واحدا فإنه كتب كثيرة، وكل مصحف منها فهو أم على حدة، فإن أراد أحد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب الأول حتى يهجم على الثاني، ولا الثاني حتى يهجم على الثالث، فهو أبدا مستفيد ومستطرف، وبعضه يكون جماما لبعض؛ ولا يزال نشاطه زائدا ومتى خرج من آي القرآن صار إلى الأثر، ومتى خرج من أثر صار إلى خبر، ثم يخرج من الخبر إلى شعر، ومن الشعر إلى نوادر، ومن النوادر إلى حكم عقلية، ومقاييس شداد، ثم لا يترك هذا الباب، ولعله أن يكون أثقل، والملال إليه أسرع، حتى يفضي به إلى مزح وفكاهة، وإلى سخف وخرافة، ولست أراه سخفا، إذ كنت إنما استعملت سيرة الحكماء، وآداب العلماء، ورأينا الله تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب، أخرج الكلام عنهم جعله مبسوطا، وزاد في الكلام، فأصوب العمل اتباع آثار العلماء، والاحتذاء على مثال القدماء، والأخذ بما عليه الجماعة. وقوله هذا في نسق تأليف القرآن من أبدع ما اهتدت إليه قوة مفكرة.
قال أبو علي الحسن بن داود: فخر البصرة بأربعة كتب: كتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب الحيوان له، وكتاب سيبويه، وكتاب العين للخليل. وزعم بعض علماء الإفرنج أن كتاب الحيوان أقرب إلى أن يوسم بكتاب أدب منه إلى أن يعد كتابا قي طبائع الحيوان، قبل غيره لمن ادعي هذه الدعوى أن ما حققه الجاحظ قي صنوف الحيوان قيل غيره من العرب والعجم كاف بأن يعد السابق المبرز في هذا الفن، والشعر الكثير الذي نقله لا يزري بما كتب، وهو يملي على الناس روح عصره. كتب الجاحظ كتابه أوائل القرن الثالث من الهجرة، والعلم كما قال ريشه