تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

CHECK [290_2]

إثباتها في الأذهان، وأمر البلاغة واختيار الألفاظ لإلباس المعاني الصورة اللائقة مما يعنى به، فقد قال في رسالة مدح التجار وذم عمل السلطان ما لم يخرج عن قوله في هذا المعنى في البيان والتبيين وفي الحيوان وغيرهما. قال: ثم خذه بتعريف حجج الكتاب، وتخلصهم باللفظ السهل القريب المأخذ إلى المعنى الغامض، وأذقه حلاوة الاختصار، وراحة الكفاية، وحذره التكلف، واستكراه العبارة، فإن أكارم ذلك كله ما كان إفهاما للسامع، ولا يحوج إلى التأويل والتعقيب، ويكمن مقصورا على معناه، لا مقصرا عنه، ولا فاضلا عليه، فاختر من المعاني ما لم يكن مستورا باللفظ المتعقد، مغرقا في الإكثار والتكلف، فما أكثر من لا يحفل باستهلاك المعنى مع براعة اللفظ، وغموضه على السامع، بعد أن يتسق له القول، وما زال المعنى محجوبا لم تكشف عنه العبارة، فالمعنى بعد مقيم على استخفائه، وصارت العبارة لغوا وظرفا خاليا، وشر البلغاء من هيأ رسم المعنى قيل أن يهيئ المعنى، عشقا لذلك اللفظ، وشغفا بذلك الاسم، حتى صار يجر إليه المعنى جرا، ويلزقه به إلزاقا، حتى كأن الله تعالى لم يخلق لذلك المعنى اسما غيره، ومنعه الإفصاع عنه إلا به، والآفة الكبرى أن يكون رديء الطبع، بطيء اللفظ، كليل الحد، شديد العجب، ويكون مع ذلك حريصا على أن يعد في البلغاء، شديد الكلف بانتحال اسم الأدباء؛ فإذا كان كذلك خفي عليه فرق ما بين إجابة الألفاظ، واستكراهه لها.

وبالجملة إن لكل معنى شريف أو وضيع، هزل أو جد، أو حرفة أو صناعة، ضربا من اللفظ هو حقه وحظه ونصيبه، الذي لا ينبغي أن يجاوزه، أو يقصر دونه، ومن قرأ كتب البلغاء، وتصفح دواوين الحكماء، ليستفيد المعاني، فهو على سبيل صواب؛ ومن نظر فيها ليستفيد الألفاظ، فهو على سبيل الخطأ، والخسران ها هنا في وزن الربح هناك، لأن من كانت غايته انتزاع الألفاظ حمله الحرص

أمراء البيان · الصفحة ٢٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمراء البيانص ٢٩٠