تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

CHECK [341_2]

التاريخية بالمعنى الذي بدأ المؤرخون في عصره يخوضون فيه، على طريقة الرواية وتصحيح السند، وربما لم يهمه ذكر الحروب ووصف الملوك في عدلهم وجورهم ومولدهم وتوليهم وموتهم، ولا حديث أعداءهم وفتن بلادهم ومشاغبهم ومتاعبهم ومؤامراتهم ودسائسهم، ولا طبقات الرجال في موالدهم ووفياتهم، وما صرفوا فيه عقولهم وأعمارهم وخلفوه من مآثرهم. بل كان التاريخ الذي شغل قلمه وقلبه وصف الناس وذكر أخبار من عاصرهم مما فيه تعليم وتثقيف. فهو المؤرخ الاجتماعي في عصره، يورد لك من مشاهداته ومروياته ما يوسع أفق نظرك، ويدلك على مواطن الحسنات والسيئات في عامة من تألف منهم مجتمعه.

رأى التاريخ السياسي وتاريخ الرجال ضيق المضطرب، وقد تسربت إليه أخطاء لا يقرها، فأرخ للأمة، والكلام فيها واسع المجال، وكما كان في التاريخ هو في الفلسفة. قرأ ما كتب وترجم في عصره، فما نقل آراء أرسطو مستحسنا لها كلها، ولا شغف بأفلاطون ولا بغيره من فلاسفة اليونان، بل طبق العلوم المادية وعلوم الحياة والأحياء وعلم الاجتماع على النظر الفلسفي. فأهمه من الفلسفة روحها، وابتعد عما قد يكون فيها من خيال ومحال، وبعبارة ثانية أنه كان من أصحاب النظر العملي، وما تعدى في الإلهيات حيز المنطق الصحيح، والمصادر السلمية التي تدعمها الحجة ولا ينكرها إلا مكابر.

يقول لك حينا: إن غرائب الدنيا كثيرة عند كل من كان كلفا بتعرافها وكان له في العلم أصل، وكان بينه وبين التبيين نصيب، وأكثر الناس لا تجدهم إلا في حالتين: إعراض عن التبيين، وإهمال النفس، وإما في حالة تكذيب وإنكار، وتسرع إلى أصحاب الاعتبار، وتتبع الغرائب، والرغبة في الفوائد. ثم يرى بعضهم أن له بذلك التكذيب فوائد، وأن ذلك من باب التوقي، وجنس من استعظام الكذب، وأنه لم يكن كذلك إلا من حاز الرغبة في الصدق، أو تبين الشيء معاندة للإقرار وقهرا

أمراء البيان · الصفحة ٣٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمراء البيانص ٣٤١