تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

CHECK [312_2]

شأنه أنه كاتب حاسب وشاعر ناسب، ومفترس قائف، ثم أعطاه الله برهانات الرسالة وعلامات النبوة، لما كان ذلك مانعا من وجوب تصديقه، ولزوم طاعته، والانقياد لأمره، على سخطهم ورضاهم، ومكروههم ومحبوبهم، ولكنه أراد أن لا يكون للشاعر متعلق عما دعا إليه، حتى لا يكون دون المعرفة بحقه حجاب وإن رق، وليكون ذلك أخف في المؤنة، وأسهل في المحنة، فلذلك صرف نفسه عن الأمور التي كانوا يتكلفونها ويتنافسون فيها، فلما طال هجرانه لقرض الشعر وروايته، صار لسانه لا ينطق به، والعادة تؤأم الطبيعة، فأما في غير ذلك، فإنه إذا شاء كان أنطق من كل منطيق، وأنسب من كل ناسب، وأقوف من كل قائف، وكانت آلته أوفر، وأداته أكمل، إلا أنها كانت مصروفة إلى ما هو أبعد، وبين أن يضيف إليه العادة الحسنة وامتناع الشيء عليه من طول الهجران له رفق.

قال: ومن العجب أن صاحب هذه المقالة لم يره عليه السلام في حال معجزة قط، بل لم يره إلا وهو وإن طال الكلام قصر عنه كل مطيل، وإن قصر القول أتى على غاية كل خطيب، وما عدم منه إلا الخط وإقامة الشعر، فكيف ذهب ذلك المذهب، والظاهر من أمره عليه السلام غير ما توهم.

ويخيل إلى من يتدبر هذا الكلام أنه لم يفهم من أمية الرسول عالم من المحدثين والقدماء ما أدركه الجاحظ من هذه الصفة الشريفة في النبي خاصة، وإذا فهمه فيستحيل عليه أن يكتب فكره بهذا البيان.

انظر إليه ينتقد على السلف في تقصيرهم في سيرة الرسول، يقول: إن السلف الذين جمعوا القرآن في المصاحف بعد أن كان متفرقا في الصدور، والذين جمعوا الناس على قراءة زيد بعد أن كان غيرها مطلقا غير محظور، والذين حصنوه ومنعوه الزيادة والنقصان لو كانوا جمعوا علامات النبي صلى الله عليه وسلم وبرهانه ودلائله وآياته، وصنوف بدائعه، وأنواع عجائبه، في مقامه وظعنه، وعند

أمراء البيان · الصفحة ٣١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمراء البيانص ٣١٢