تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

CHECK [461_2]

فذلكة في حياة التوحيدي:

أظننا بلغنا حاجة النفس في نقل صورة التوحيدي نقلا إن لم يكن طابق الأصل فهو قريب منه، بعد اقتباسنا دررا من كتبه ورسائله، استنتجنا منها ما انطوت عليه نفسه من الخوالج، وقلبه من النزوات؛ وما تقلب فيه من البأساء والضراء، وكيف لم تقعد به الهمة عن الاختلاف إلى العظماء، والأخذ عن العلماء، وعرف مكنونات الصدور. وتمثلنا في كلامه سلامة الفكر والإبداع فيه، وسلاسة الإنشاء وتجويده. أرأيتم هذا الإيجاد الذي تقف عنده العقول حائرة، يكتب صاحبه في العلوم المختلفة فلا تخونه لفظة، وتتناسق الجمل في تركيبها تناسق العقد النفيس، ويوائم بين ألفاظه ومعانيه أي مواءمة، ويؤثر في قلب السامع فيستميله بما يميله من مقوله على مسمعه؟ أرأيتم كيف آضت اللغة في يد التوحيدي كالعجين يرسمه الرسم الذي يشاء، أو كالقرطاس في يد المصور الحاذق، وعنده جماع الأصباغ يصوره بما تهفو إليه نفسه من صور الأرض والسماء؟

اللغة في نظر التوحيدي واسطة تعبير وتصوير، لا أداة لطافة وظرافة، كانت على أسلة قلمه، غزيرة المائية نضيرة الديباجة، وكان بيانه الصافي البراق، يسيل مطواعا لبنانه، يتصرف به تصرفا غريبا، ويصرفه في ضروب الموضوعات العالية، وكأن اللغة في عصره، وقد أصبحت لغة حضارة باهرة، أخذت الزبدة النافعة من الأمم القديمة وزادت عليها تجارب قرنين، فمرنت ألفاظها على التعبير عن كل معنى، وصفا رصفها ونسجها، فكانت من أجمل صيغ الإفهام والانسجام، ولطفت مادتها فخرج منها الحواشي بقاعدة بقاء الأنسب، ودرجت بعد ذلك نقية لا شوب فيها ولا تعقيد، كأنها خلقت منذ عرفت، لغة فلسفة وطبيعة وإلهيات، كما كانت لغة شعر وخطب، منذ أقدم عصور الجاهلية.

عمد التوحيدي إلى استخدام طوائف من الألفاظ تبهرك في رصفها إلى جانب

أمراء البيان · الصفحة ٤٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمراء البيانص ٤٦٢