تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

CHECK [412_2]

أعصار حماستهم، وتصلبهم في آرائهم، جادلهم فأحسن جدالهم بأدب لا غرور فيه، وتفتق ما شاءت له الإجادة، في ضروب من القول، وما كان يضيره سخف السخفاء ممن تعذرت عليهم مداناته؛ فوضع صفحته للحق، وحاورهم قائما بالواجب عليه نحو دعوته وملته، فتم له ما أراد لما قوله إلى أعماق القلوب والعقول، بما خص به من نفس طويل، وإبداع جزيل؛ نعم نفذ الجاحظ بما كتب إلى القلوب والعقول، لأنه لم يكتب كأفلاطون ألغارا ومعميات يتعذر حلها، فبقي كلام الحكيم اليوناني - على ما قال أميرسون - مقصور الفهم على أثني عشر شخصا في كل جيل، وكتب الحكيم العربي السهل الممتنع الذي يفهمه كل من يقرؤوه، فأسرع ذلك في خلوده.

الجاحظ موهوب، رزق القبول من القلوب، وشاع ما كتب في كل صقع وكل قرن، وكلما كرر كلامه حلا، وهل أعظم في باب الخلود من بنات أفكار تتناقل خلفا عن سلف أحد عشر قرنا، ثم لا نرى الجميع إلا معجبين مستفيدين، بما أثر عن علم الأعلام وأفضل المخلدين.

وإنا إذا استقرينا ما قاله أولياء الجاحظ وخصماؤه فيه، لا يتعذر علينا أن نضعه في الدرجة التي بلغها. قيل لأبي العيناء الرواية الأخبارية: ليت شعري أي شيء كان الجاحظ يحسن؟ فقال: ليت شعري أي شيء كان الجاحظ لا يحسن؟ ويقول المسعودي: لا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتبا من الجاحظ، وقد كان أبو الحسن المدائني كثير الكتب، إلا أن أبا الحسن المدائني، كان يؤدي ما سمع، وكتب الجاحظ تجلو صدا الأذهان، وتكشف واضح البرهان، لأنه نظمها أحسن نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ. وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع، خرج من جد إلى هزل، ومن حكمة بليغة، إلى نادرة طريفة، ولا يعلم ممن سلف وخلف من المعتزلة أفصح منه.

أمراء البيان · الصفحة ٤١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمراء البيانص ٤١٤