CHECK [391_2]
كنا نعلفها؟ ولا يزال في هذا، ويونس يضحك ضحكا نعرفه نحن، ولا يعرفه أبو الهذيل؛ وصار بعد ذلك إن ذكروا دجاجة قال: أبن كانت يا أبا عمران من تلك الدجاجة، وإن ذكروا بطة أو عناقا أو جزورا أو بقرة قال: فأين كانت هذه الجزور في الجزر من تلك الدجاجة في الدجاجة، وإن استسمنوا شيئا من الطير أو البهائم أو الدجاجة قال: لا والله، ولا تلك الدجاجة؛ وان ذكروا عذوبة الشحم قال: عذوبة الشحم تصاب في البقر والبط وبطون السمك والدجاج، ولا سيما ذلك الجنس من الدجاج، وإن ذكروا ميلاد شيء أو قدوم إنسان قال: كان ذلك قبل أن أهدي إليك تلك الدجاجة بشهر، وكان بعد أن أهديتها لك بسنة، وما كان بين فلان وبين البعث بتلك الدجاجة إلا يوم، وكانت مثلا في كل شيء، وتاريخا لكل شيء. ويونس ابن عمران من أرباب البيوتات في البصرة كان، وهو الذي رضخ للجاحظ بدنانير اتباع بها ما يقيله به، وأخرج أبا عثمان من تهكم أمة به وبدفاتره، لأول أمره، على ما مر في الفصل الذي عقدناه لوصف نشأته ونعمته. وعلينا أن نتأمل في هذه القصة قوله: ويونس يضحك ضحكا نعرفه نحن ولا يعرفه أبو الهذيل.
فالجاحظ كما رأيت يسلي نفسه بهذه المداعبات، ويبسم ابتسام العظمة، وإذا تبرم بأبناء الزمان عدد مساوئ الدهر فقال جادا: يصف استحالة الزمان، وفساد الأيام، ودولة الأنذال:
وقدما كان من قدم الحياء على نفسه، وحكم اصدق في قوله، وآثر الحق في أموره، ونبذ المشتبهات عليه من شؤونه، تمت له السلامة، وفاز بوفور حظ العافية، وحمد مغبة مكروه العاقبة، فنظرنا إذ حال عندنا حكمه، وتحولت دولته، فوجدنا الحياء متصلا بالحرمان، والصدق آفة على المال، والقصد في الطلب بترك استعمال القحة، وإخلاص العرض من طريق التوكل، دليلا على سخافة الرأي وبعد أن قال فيمن وجد فيه الفسولة الواضحة، والمثالب الفاضحة، إنه إن