CHECK [281_2]
مع جميع الأوطان فقال: الحسد أبقاك الله داء ينهك الجسد، ويفسد الأود، علاجه عسر، وصاحبه ضجر، وهو باب غامض، وأمر متعذر، فما ظهر منه فلا يداوى. وما بطن منه فمداريه في عناد، ولذلك قال النبي ص: دب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء. . . فمنه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة، ومنتج كل وحشة، ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم بين الأقرباء، ومحدث التفرق بين القرناء، وملقح الشر بين الخلطاء، يكمن في الصدور، كمون النار في الحجر. ولو لم يدخل، رحمك الله، على الحاسد بعد تراكم الهموم على قلبه، واستكمان الحزن في جوفه، وكثرة مضضه، ووسواس ضميره، وتنغيص عمره وكدر نفسه، ونكد لذاذة معاشه، إلا استصغاره لنعمة الله تعالى عنده، وسخطه على سيده، بما أفاده الله عبده، وتمنيه عليه أن يرجع في هبته إياه، وأن لا يرزق أحدا سواه، لكان عند ذوي العقول مرحوما، وكان عندهم في القياس مظلوما.
وبعد أن سار على هذا النحو ينقل الشاهد والمثل والقصة قال:
فمن شأن الحاسد إن كان المحسود غنيا، توبيخه على المال وقوله إنه جمعه حراما، ومنعه أثاما، وألب عليه محاويج أقاربه، وتركهم له خصماء، وأعانهم في الباطن، وحمل المحسود على قطيعتهم في الظاهر، وقال له: كفروا معروفك، وأظهروا في الناس ذمك، فليس أمثالهم يوصلون، فإنهم لا يشكرون. وإن وجد له خصما، وأعانه عليه ظلما، فإن كان ممن يعاشره فاستشاره غشه، أو تفضل عليه بمعروف كفره، أو دعاه إلى نصره خذله، أو حضر مدحه ذمه، وإن سئل عنه همزه، أو كانت عنده شهادة كتمها، وإن كانت منه إليه زلة عظمها، وقال: إنه يجب أن يعاد ولا يعود، ويرى عليه القعود.
إن كان المحسود عالما، قال: مبتدع، ولرأيه متبع، وحاطب ليل، ومتبع نيل، ما يدري ما حمل، قد ترك العمل، وأقبل على الحيل، وقد أقبل بوجوه الناس إليه،