CHECK [340_2]
جرى على ألسنة الناس، وله مضرة شديدة، وثمرة مرة، فمن أضر ذلك قولهم: لم يدع الأول للآخر شيئا، قال: فلو أن كل عصر مذ جرت هذه الكلمة في أسماعهم، تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمن قبلهم لرأيت العلم مختلا.
من أجل هذا توسع الجاحظ في بحثه، وكان على علمه الفياض يسأل جميع طبقات الناس عما يهمه ويريد أن يتفهمه، فيصف الماديات والمحسوسات، ويسترشد حتى بآراء الحراس، ويتحدث حتى إلى الحواة والجزارين وأرباب الصناعات، ويسأل الحشوة وأرباب البطالة، وقد يأخذ بآراء البحريين إذا رووا له غرائب فبلها عقله، أو يردها ولا يقرها إذا كانت حديث خرافة. ويتحدث إلى كل من عنده ظرائف من الكلام، وعجائب من الأقسام وقد روى أشياء كثيرة عن الأعراب في البادية وعن العامة في المدن، فالحكمة ضالته يلتقطها حيث يجدها.
قال في رسالة الحنين إلى الأوطان؛ رأيت عبدا أسود حبشيا لبني أسد قدم من شق اليمامة فصار ناطورا، وكان وحشا مجنونا لطول الغربة مع الإبل، وكان لا يلقى إلا أكره فلا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فلما رآني سكن إلى وسمعته يقول: لعن الله أرضا ليس بها عرب، قاتل الله الشاعر حيث يقول:
AUTO حر الثرى مستعرب التراب
أبا عثمان إن هذا العريب في جميع الناس كمقدار القرهة في جلد الفرس، فلولا أن الله رق عليهم فجعلهم في حشاة لطمست هذه العجم آثارهم اه. فالجاحظ لم يحتقر هذا الحديث الذي بدر عن لسان عبد مستوحش وأورده مثالا على موضوعة في الوحشة التي تعتري النازح عن وطنه. ونحن بهذا الحديث القصير أيضا أدركنا أن العراق لم يكن تعرب كله في طرفي المائة الثانية والثالثة، وأن أكرته وفلاحيه ظلوا على سريانيتهم، وأن العرب كانوا إلى قلة على كل حال.
ولم نر أنب عثمان على كثرة ما خاض غماره من الأبحاث مس الموضوعات