CHECK [387_2]
الناس في المزاح إلى معان متضادة، وسلكوا منه في طرق مختلفة، فزعم بعضهم أن جميع المزاح خير من جميع الجد، وزعم آخرون أن الخير والشر عليهما مقسومان، وأن الحمد والذم بينهما نصفان.
فأما المحامي على الهزل والمفضل للمزح، فإنه قال: أول ما أذكر من خصال الهزل ومن فضائل المزح أنه دليل على حسن الحال وفراغ البال، وأن الجد لا يكون إلا من فضل حاجة، والمزح لا يكون إلا من فضل غني، وأن الجد غضب، والمزح جمام، والجد مبغضة، والمزح محبة. وصاحب الجد في بلاء ما كان فيه، وصاحب المزح في رخاء إلى أن يخرج منه، والجد مؤلم، وربما عرضك لأشد منه، والمزح ملذ، وربما عرضك لألذ منه. فقد شاركه في التعريض للخير والشر، وباينه بتعجيل الخير دون الشر، وإنا تشاغل الناس ليفرغوا، وجدوا ليهزلوا، كما تذلوا ليعزوا، وكدوا ليستريحوا، وإن كان المزح إنما صار معيبا، والهزل إنما صار مذموما، لآن صاحبه لا يكون إلا معرضا لمجاوزة القدر، ومخاطرا بمودة الصديق، فالجد داعية إلى الإفراط، كما أن المزح داعية إلى مجاوزة القدر، وتجاوز الحد قاطع بين القرينين في جميع النوعين، فقد ساواه المزاح فيما هوله وباينه فيما ليس له، وإنه كان المزح قبيحا لأن يورث الجد، فأقبح من المزح ما صير المزح قبيحا وإذا صار المزح قبيحا، لأن الذي يكون بعده المزح، كان الجد في هذا الوزن أقبح من الوزن، وكان المزح على هذا التقدير أحسن من الجد، لأن ما جعل الشيء أقبح من الشيء حسنا أحسن من الشيء.
وأما الذي عدل بينهما، فإنه زعم أن المزح في موضعه كالجد في موضعه، كما أن المنع في حقه كالبذل في حقه. قال: ولكل شيء موضع، وليس شيء يصلح في كل موضع. وقد قسم الله الخيرة على المعدلة، وأجرى جميع الأمور إلى غاية