11.45-49
﴿ ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ﴾.
وبعد ان هدأت العاصفة، وسكن الهول، ثارت الشفقة في قلب نوح على ابنه، فنادى ربه ضارعا مشفقا: يا رب، إن ابني مني وهو من أهلي، وقد وعدت أن تنجي أهلي، ووعدك هو الحق، وأنت أعدل الحاكمين.
﴿ قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾.
قال الله تعالى: يا نوح، إن ابنك هذا ليس من أهلك، بكفره قد انقطعت الصلة بينك وبينه، فهو عمل غير صالح. واحذر ان تطلب ما ليس لك به علم، فأنا أرشدك الى الحق لكيلا تكون من الجاهلين الذين تنسيهم الشفقة الحقائق الثابتة.
قراءات:
قرأ الكسائي ويعقوب: " انه عمل غير صالح " والباقون " عمل غير صالح " وقرأ ابن كثير: " لا تسألن " بتشديد النون وفتحها. وقرأ نافع وابن عامر: فلا تسألني.
﴿ قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ﴾.
قال نوح: يا رب، إني ألجأ إليك فلا أسألك بعد هذا ما لاعلم لي بحقيقته، وإن لم تتفضل علي بمغفرتك، وترحمني برحمتك أكن في عداد الخاسرين.
وفي هذه الآية دليل على ان الله تعالى يجازي الناس في الدنيا والآخرة بإيمانهم وأعمالهم، لا بأنسابهم. انه لا يحابي أحدا لأجل الآباء والاجداد ولو كانوا من الأنبياء.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" يا فاطمة بنت محمد، والله لا أغني عنك من الله شيئا ".
فأساس الدين عندنا انه لا علاقة للصلاح بالوراثة والأنساب. وانما بالايمان والعمل الصالح.
﴿ قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ﴾.
قال تعالى: يا نوح، انزل من السفينة بسلام منا، وأمن وبركات عليك.
ويسأل أناس كثيرون: هل كان الطوفان عاما في الأرض جميعا، ام حدث في المنطقة التي كان يسكنها نوح وقومه، وأين كانت هذه الأرض؟
لم يرد نص صريح بذلك، وقد ودت روايات واسرائيليات كثيرة واخبار غير مقطوع بصحتها، ولذلك نضرب عنها صفحا.
ثم ذكر الله تعالى لنبيه الكريم أن هذا قصص من عالم الغيب لا يعرفه هو ولا قومه من قبل، قال:
﴿ تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ﴾.
ان هذه القصة عن نوح وقومه من أخبار الغيب التي لا يعلمها الا الله، ما كنت تعلمها يا محمد ولا قومك من قبل هذا. فاصبر على إيذاء قومك كما صبر الأنبياء قبلك، فان عاقبة الفوز للذين يتقون الله بالإيمان والعمل الصالح.