قال تعالى:
يعلم السر وأخفى
[طه: 7]، ومما يدل على أن القرب ليس المراد به العلم، سياق الآية، فإنه قال: ﴿ ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ﴾ فأخبر أنه يعلم وسواس نفسه.
ثم قال: ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ فأثبت العلم، وأثبت القرب، وجعلهما شيئين، فلا يجعل أحدهما هو الآخر، وقيد القرب بقوله: ﴿ إذ يتلقى... ﴾ الآية.
وأما من ظن أن المراد بذلك قرب ذات الرب من حبل الوريد، وأن ذاته أقرب إلى الميت من أهله، فهذا في غاية الضعف؛ وذلك أن الذين يقولون إنه في كل مكان، وإنه قريب من كل شيء بذاته، لا يخصون بذلك شيئا دون شيء، ولا يمكن مسلما أن يقول إن الله قريب من الميت دون أهله، ولا أنه قريب من حبل الوريد دون سائر الأعضاء. وكيف يصح هذا الكلام على أصلهم، وهو عندهم في جميع بدن الإنسان، وهو في أهل الميت، كما هو في الميت، فكيف يكون ﴿ أقرب إليه منكم ﴾ إذا كان معه ومعهم على وجه واحد؟ وهل يكون أقرب إلى نفسه من نفسه، وسياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة، فإنه قال: ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد * إذ يتلقى... ﴾ الآيتين. فقيد القرب بهذا الزمان، وهو زمان تلقي المتلقيين، وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان، كما قال:
ما يلفظ من قول...
[ق: 18] الآية. ومعلوم أنه لو كان قرب ذات لم يخص ذلك بهذا الحال، ولم يكن لذكر القعيدين الرقيب والعتيد معنى مناسب. وكذلك قوله في الآية الأخرى:
فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون
[الواقعة: 83-85]، فإن هذا إنما يقال إذا كان هناك من يجوز أن يبصر في بعض الأحوال، ولكن نحن لا نبصره، والرب تعالى في هذه الحال لا يراه الملائكة، ولا البشر. وأيضا فإنه قال: ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ فأخبر عمن هو أقرب إلى المحتضر من الناس الذين عنده في هذه الحال. وذات الرب سبحانه وتعالى إذا قيل هي في مكان، أو قيل قريبة من كل موجود، لا يختص بهذا الزمان والمكان والأحوال، فلا يكون أقرب إلى شيء من شيء، ولا يجوز أن يراد قرب الرب الخاص، كما في قوله:
وإذا سألك عبادي عني فإني قريب
[البقرة: 186] فإن ذاك إنما هو قربه إلى من دعاه أو عبده، وهذا المحتضر قد يكون كافرا وفاجرا، أو مؤمنا ومقربا؛ ولهذا قال تعالى:
فأمآ إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنت نعيم * وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين * وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم
[الواقعة: 88-94].
ومعلوم أن مثل هذا المكذب لا يخصه الرب بقرب منه، دون من حوله، وقد يكون حوله قوم مؤمنون، وإنما هم الملائكة الذين يحضرون عند المؤمن والكافر، كما قال تعالى:
إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم
[النساء: 97]، وقال تعالى:
ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم
[الأنفال: 50] وقال:
ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون
[الأنعام: 93] وقال تعالى:
حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون
[الأنعام: 61] وقال تعالى:
قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون
[السجدة: 11] ومما يدل على ذلك أنه ذكره بصيغة الجمع فقال: ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ وهذا كقوله سبحانه:
نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون
[القصص: 3] وقال تعالى:
نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن
[يوسف: 3] وقال:
إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه
[القيامة: 17-19] فإن مثل هذا اللفظ إذا ذكره الله تعالى في كتابه، دل على أن المراد أنه سبحانه بجنوده وأعوانه من الملائكة. فإن صيغة (نحن) يقولها المتبوع المطاع المعظم الذي له جنود يتبعون أمره، وليس لأحد جند يطيعونه كطاعة الملائكة ربهم، وهو خالقهم وربهم؛ فهو سبحانه العالم بما توسوس به نفسه، وملائكته تعلم؛ فكان لفظ (نحن) هنا هو المناسب، وكذلك قوله: ﴿ ونعلم ما توسوس به نفسه ﴾ فإنه سبحانه يعلم ذلك، وملائكته يعلمون ذلك، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: