50.20-21
﴿ ونفخ في الصور ﴾ يعني: نفخة البعث ﴿ ذلك ﴾ أي: النفخ ﴿ يوم الوعيد ﴾ أي: وقت تحقق الوعيد، بشهود ما قدم من الأعمال وما أخر ﴿ وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد ﴾ قال ابن جرير: أي: سائق يسوقها إلى الله، وشاهد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير أو شر. وهل هما ملكان، أو ملك جامع للوصفين، أو الأول ملك، والثاني الإنسان نفسه يشهد على نفسه، أو سائق من أعمالها، إلى مكان جزائها، وشهيد من أجزائها؟ أقوال:
وقال القاشاني: أي: سائق من عمله، وشهيد من عمله؛ لأن كل أحد ينجذب إلى محل نظره، وما اختاره بعمله. والميل الذي يسوقه إلى ذلك الشيء إنما نشأ من شعوره بذلك الشيء وحكمه بملائمته له، سواء كان أمرا سفليا جسمانيا بعثه عليه هواه، وأغراه عليه وهمه وقواه، أو أمرا علويا روحانيا بعثه عليه عقله، ومحبته الروحانية، وحرضه عليه قلبه وفطرته الأصلية. فالعلم الغالب عليه سائقه إلى معلومه، وشاهده بالميل الغالب عليه، والحب الراسخ فيه والعمل المكتوب في صحيفته يشهد عليه بظهوره على صور أعضائه وجوارحه، وينطق عليه كتابه بالحق، وجوارحه بهيآت أعضائه المتشكلة بأعماله. انتهى.
50.22
﴿ لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد ﴾ في المخاطب بهذا، أقوال ثلاثة:
أحدها: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، أتى بهذه الجملة معترضة في خلال أمر النبأ الأخروي، تنويها بمنة الإعلام بذلك، والتعريف به، ثم شدة نفوذ البصر به، والوقوف على غوامضه، بعد خلو الذهن عنه رأسا. والمعنى: لقد كنت في غفلة من هذا القرآن قبل أن يوحى إليك، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك؛ فبصرك اليوم حديد، نافذ قوي، ترى ما لا يرون، وتعلم ما لا يعلمون. ومثله آية
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان
[الشورى: 52].
وثانيها: أنه الكافر، وأن الكلام على تقدير القول، أي: يقال له: لقد كنت في غفلة من هذا الذي عاينت اليوم من الأهوال، فكشفنا عنك غطاءك بأن جلينا لك ذلك، وأظهرناه لعينيك، حتى رأيته وعاينته، فزالت الغفلة عنك. ومثله عن الكفار آية
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، وآية
ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا
[السجدة: 12].
وثالثها: أنه الإنسان مطلقا، لقوله: ﴿ وجآءت كل نفس ﴾ ، والمقصود أنه كشف الغطاء عن البر والفاجر، ورأى كل ما يصير إليه.
وعول ابن جرير في الأولوية على الثالث.
قال الزمخشري: جعلت الغفلة كأنها غطاء غطى بها جسده كله، أو غشاوة غطى بها عينيه، فهو لا يبصر شيئا، فإذا كان يوم القيامة تيقظ، وزالت الغفلة عنه وغطاؤها، فيبصر ما لم يبصره من الحق.
وقال القاشاني في تأويل الآية: ﴿ لقد كنت في غفلة من هذا ﴾ لاحتجابك بالحس والمحسوسات، وذهولك عنه؛ لاشتغالك بالظاهر عن الباطن ﴿ فكشفنا عنك ﴾ بالموت ﴿ غطآءك ﴾ المادي الجسماني الذي احتجبت به ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ أي: إدراكك لما ذهلت عنه ولم تصدق بوجوده، قوي تعاينه. انتهى.