تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرابع: دل قوله تعالى: ﴿ ما يبدل القول لدي ﴾ على أنه لا خلف في إيعاد الله تعالى، كما لا إخلاف في ميعاد الله. وهذا يرد على المرجئة، حيث قالوا: ما ورد في القرآن من الوعيد فهو تخويف، لا يحقق الله شيئا منه، وقالوا: الكريم إذا وعد أنجز ووفى، وإذا أوعد أخلف وعفا - أفاده الرازي.

ووجه الاستدلال أنه لو صح ما ذكروه للزم تبديل قوله تعالى، والخلف في أخباره - تقدس عن ذلك - مع أن طبيعة الذنب تقتضي العقوبة، إلا أن يتاب منه، أو يشاء تعالى العفو عنه.

الخامس: ذكروا في سر المبالغة في ﴿ بظلام ﴾ وجوها:

منها: أن " فعالا " قد ورد بمعنى (فاعل)، فهذا منه.

ومنها: اعتبار كثرة الخلق.

ومنها: أن المنسوب في المعتاد إلى الملوك من الظلم تحت ظلمهم، إن عظيما فعظيم، وإن قليلا فقليل، فما كان ملك الله تعالى على كل شيء ملكه، قدس ذاته عما يتوهم مخذول، والعياذ بالله، أنه منسوب إليه من ظلم تحت شمول كل موجود.

50.30

﴿ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ﴾ قال ابن جرير: فيه لأهل التأويل قولان:

الأول: أن معناه: ما من مزيد. فعن مجاهد قال: وعدها الله ليملأنها فقال: هلا وفيتك؟ قالت: وهل من مسلك؟!.

الثاني: معناه: زدني.

أي: فالاستفهام على الأول إنكاري، معناه النفي، وأيد بآية

لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين

[هود: 119، والسجدة: 13]، والقرآن يفسر بعضه بعضا، وعلى الثاني تقريري، دلالة على سعتها. بحيث يدخلها من يدخلها، وفيها فراغ وخلو، كأنه يطلب الزيادة.

فإن قيل: الوجه الثاني، وهو كونها فيها فراغ، مناف لصريح النظم من قوله: ﴿ لأملأن جهنم... ﴾ الآية، قلت: لا منافاة بينهما كما توهم؛ لأن الامتلاء قد يراد به أنه لا يخلو طبقة منها عمن يسكنها، وإن كان فيها فراغ كثير، كما يقال: إن البلدة ممتلئة بأهلها، ليس فيها دار خالية، مع ما بينها من الأبنية والأفضية. أو هذا باعتبار حالين، فالفراغ في أول دخول أهلها فيها، ثم يساق إليها الشياطين ونحوهم فتمتلئ.

تنبيه

ذهب جماعة إلى أن المقاولة في الآية مجاز على طريق الاستعارة التمثيلية، وأن جهنم لشدة توقدها وزفيرها. وتهافت الكفرة والعصاة، وقذفهم فيها، كأنها طالبة للزيادة. وآخرون إلى أن ذلك حقيقة.

قال الناصر في (الانتصاف): إنا نعتقد أن سؤال جهنم وجوابها حقيقة، وأن الله تعالى يخلق فيها الإدراك بذلك بشرطه. وكيف نفرض، وقد وردت الأخبار وتظاهرت على ذلك؟ منها هذا، ومنها لجاج الجنة والنار، ومنها اشتكاؤها إلى ربها، فأذن لها في نفسين. وهذه وإن لم تكن نصوصا، فظواهر يجب حملها على حقائقها، لأنا متعبدون باعتقاد الظاهر، ما لم يمنع مانع، ولا مانع ههنا، فإن القدرة صالحة، والعقل يجوز، والظواهر قاضية بوقوع ما جوزه العقل. وقد وقع مثل هذا قطعا في الدنيا، كتسليم الشجر، وتسبيح الحصى في كف النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يد أصحابه. ولو فتح باب المجاز والعدول عن الظاهر في تفاصيل المقالة، لا تسع الخرق، وضل كثير من الخلق عن الحق. وليس هذا كالظواهر الواردة في الإلهيات مما لم يجوز العقل اعتقاد ظاهرها، فإن العدول فيها عن ظاهر الكلام بضرورة الانقياد إلى أدلة العقل المرشدة إلى المعتقد الحق. انتهى.

قال الشهاب: وهو كلام حسن، وأمور الآخرة لا ينبغي أن تقاس على أمور الدنيا. انتهى.

ولا تنس ما قلناه مرارا من أن اللغة لا تنحصر في الحقيقة، وأن أكثر اللغة مجاز لا حقيقة، كما أوضحه السيوطي في (المزهر) والجرجاني في (أسرار البلاغة). وفي شواهد العرب الكثيرة ما يؤيد المجاز، ولا محذور فيه، عدا عن كونه أبلغ، كما قرره. وبالجملة فالنظم الكريم يحتملها - والله أعلم.

و ﴿ يوم ﴾ منصوب ب: ﴿ ظلام ﴾ أو بمضمر، نحو: اذكر وأنذر. و (المزيد) إما مصدر كالمحيد، أو اسم مفعول كالمبيع.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٧٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٧٠١