50.18
﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ أي: ملك يرقب عمله، ﴿ عتيد ﴾ أي: حاضر. ولما ذكر استبعادهم للبعث، وأزاح ذلك بتحقيق قدرته وعلمه، أعلمهم بأنهم يلاقون ذلك عن قريب، ونبه على اقترابه بلفظ الماضي، فقال سبحانه:
﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق... ﴾.
50.19
﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ أي: شدته المحيرة الشاغلة للحواس، المذهلة للعقل ﴿ بالحق ﴾ أي: بالموعود الحق، والأمر المحقق، وهو الموت فالباء للملابسة. أو بالموعود الحق من أمر الآخرة، والثواب والعقاب الذي غفل عنه، فالباء للتعدية، أي: أحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر، وهي أحوالها الباطنة، وأظهرتها عليه.
قال الشهاب: السكرة استعيرت للشدة، ووجه الشبه بينهما أن كلا منهما مذهب للعقل، فالاستعارة تصريحية تحقيقية. ويجوز أن يشبه الموت بالشراب على طريق الاستعارة المكنية. وإثبات السكرة لها تخييل. ﴿ ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ أي: تفر. والجملة على تقدير القول، أي: يقال له وقت الموت: ذلك الأمر الذي رأيته هو الذي كنت منه تحيد في حياتك، فلم ينفعك الهرب والفرار. وهل المشار إليه بذلك، الحق أو الموت؟
قال الطيبي: إن اتصل قوله: ﴿ وجاءت سكرة الموت... ﴾ إلخ، بقوله:
في لبس من خلق جديد
[ق: 15] وما معه، فالمشار إليه بذلك الحق، والخطاب للفاجر، أي: جاءك أيها الفاجر الحق الذي أنكرته، وإن اتصل بقوله:
ولقد خلقنا الإنسان...
[ق: 16] إلخ، فالمشار إليه الموت، والالتفات لا يفارق الوجهين، والثاني هو المناسب، لقوله:
وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد
[ق: 21] بعده، وتفصيله
ألقيا في جهنم كل كفار عنيد
[ق: 24]
وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد
[ق: 31] انتهى.