تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السادس: قال القاشاني رحمه الله تعالى: إنما عظم تعالى أمر الإفك وغلظ في الوعيد عليه، بما لم يغلظ في غيره من المعاصي، وبالغ في العقاب عليه بما لم يبالغ به في باب الزنا وقتل النفس المحرمة، لأن عظم الرذيلة وكبر المعصية، إنما يكون على حسب القوة التي هي مصدرها. وتتفاوت حال الرذائل في حجب صاحبها عن الحضرة الإلهية والأنوار القدسية، وتوريطه في المهالك الهيولانية، والمهاوي الظلمانية، على حسب تفاوت مبادئها. فكلما كانت القوة التي هي مصدرها ومبدؤها أشرف.

كانت الرذيلة الصادرة منها أردأ. وبالعكس. لأن الرذيلة ما قابل الفضيلة. فلما كانت الفضيلة أشرف، كان ما يقابلها من الرذيلة أخس. والإفك رذيلة القوة الغضبية. فبحسب شرف الأولى على الباقيتين، تزداد رداءة رذيلتها. وذلك أن الإنسان إنما يكون بالأولى إنسانا، وترقيه إلى العالم العلوي، وتوجهه إلى الجناب الإلهي وتحصيله للمعارف والكمالات، واكتسابه للخيرات والسعادت - إنما يكون بها. فإذا فسدت بغلبة الشيطنة عليها، واحتجبت عن النور باستيلاء الظلمة، حصلت الشقاوة العظمى، وحقت العقوبة بالنار. وهو الرين والحجاب الكلي.

ألا ترى أن الشيطنة المغوية للآدمي أبعد عن الحضرة الآلهية، من السبعية والبهيمية؟ وأبعد بما لا يقدر قدره. فالإنسان برسوخ رذيلته النطفية يصير شيطانا، وبرسوخ الرذيلتين الأخريين، يصير حيوانا كالبهيمة أو السبع. وكل حيوان أرجى صلاحا، وأقرب فلاحا من الشيطان. ولهذا قال تعالى:

هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم

[الشعراء: 221-222] ونهى هاهنا عن اتباع خطوات الشيطان. فإن ارتكاب مثل هذه الفواحش لا يكون إلا بمتابعته ومطاوعته. وصاحبه يكون من جنوده وأتباعه. فيكون أخس منه وأذل، محروما من فضل الله الذي هو نور هدايته، محجوبا من رحمته التي هي إفاضة كمال وسعادة، ملعونا في الدنيا والآخرة، ممقوتا من الله والملائكة. تشهد عليه جوارحه بتبدل صورها وتشوه منظرها. خبيث الذات والنفس. متورطا في الرجس. فإن مثل هذه الخبائث لا تصدر إلا من الخبيثين. كما قال تعالى: ﴿ الخبيثات للخبيثين ﴾ وأما الطيبون المنزهون عن الرذائل، فإنما تصدر عنهم الطيبات والفضائل. انتهى. السابع: في سر قرن الزنا بالشرك في قوله تعالى:

الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة

[النور: 3] وتحقيق القول في الآية.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في (إغاثة اللهفان): نجاسة الزنا واللواطة أغلظ من غيرها من النجاسات. من جهة أنها تفسد القلب وتضعف توحيده جدا. ولهذا أحظى الناس بهذه النجاسة، أكثرهم شركا. فكلما كان الشرك في العبد أغلب، كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر. وكلما كان أعظم إخلاصا، كان منها أبعد. كما قال تعالى عن يوسف الصديق عليه السلام:

كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء إنه من عبادنا المخلصين

[يوسف: 24] فإن عشق الصور المحرمة نوع تعبد لها. بل هو من أعلى أنواع التعبد. ولا سيما إذ استولى على القلب وتمكن منه، صار تتيما. والتتيم التعبد. فيصير العاشق عابدا لمعشوقه. وكثيرا ما يغلب حبه وذكره والشوق إليه والسعي في مرضاته وإيثار محابه، على حب الله وذكره والسعي في مرضاته. بل كثيرا ما يذهب ذلك من قلب العاشق بالكلية، ويصير متعلقا بمعشوقه من الصور. كما هو مشاهد. فيصير المعشوق هو إلهه من دون الله عز وجل. يقدم رضاه وحبه على رضا الله وحبه. ويتقرب إليه ما لا يتقرب إلى الله. وينفق في مرضاته ما لا ينفقه في مرضاة الله.

ويتجنب سخطه ما لا يتجنب من سخط الله تعالى. فيصير آثر عنده من ربه حبا وخضوعا وذلا وسمعا وطاعة. ولهذا كان العشق والشرك متلازمين، وإنما حكى الله سبحانه العشق عن المشركين من قوم لوط، وعن امرأة العزيز، وكانت إذ ذاك مشركة. فكلما قوي شرك العبد بلي بعشق الصور وكلما قوي توحيده صرف ذلك عنه.

محاسن التأويل · الصفحة ٢١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١٤٥