تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يوم ترى المؤمنين والمؤمنات

إلى قوله:

وبئس المصير

[الحديد: 12-15]، فأخبر سبحانه أن المنافقين يفقدون النور الذي كان المؤمنون يمشون به، ويطلبون الاقتباس من نورهم، فيحجبون عن ذلك بحجاب يضرب بينهم. كما أنهم في الدنيا لما فقدوا النور:

كمثل الذي استوقد نارا

[البقرة: 17] الآية.

وقوله تعالى: ﴿ الزانية والزاني... ﴾.

24.2

﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ﴾ شروع في تفصيل ما ذكر من الآيات البينات وبيان أحكامها. أي كل من زنا من الرجال والنساء، فأقيموا عليه هذا الحد. وهو أن يجلد، أي: يضرب على جلده مائة جلدة، عقوبة لما صنع ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ أي: رقة ورحمة في طاعته فيما أمركم به، من إقامة الحد عليهما، على ما ألزمكم به ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ أي: تصدقون بالله ربكم وباليوم الآخر، وأنكم مبعوثون لحشر القيامة وللثواب والعقاب. فإن من كان بذلك مصدقا، فإنه لا يخالف الله في أمره ونهيه، خوف عقابه على معاصيه ﴿ وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين ﴾ أي: وليحضر جلدهما طائفة من أهل الإيمان بالله ورسوله، قال ابن جرير: العرب تسمي الواحد فما زاد طائفة.

قال ابن تيمية عليه الرحمة: فأمر تعالى بعقوبتهما بحضور طائفة من المؤمنين. وذلك بشهادته على نفسه أو شهادة المؤمنين عليه. لأن المعصية إذا ظهرت كانت عقوبتها ظاهرة. كما في الأثر: (من أذنب سرا فليتب سرا. ومن أذنب علانية فليتب علانية) وليس من الستر الذي يحبه الله، كما في الحديث:

" إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها. فإذا أعلنت ولم تنكر، ضرت العامة "

فإذا أعلنت أعلنت عقوبتها بحسب العدل الممكن. ولهذا لم يكن للمعلن بالبدع والفجور غيبة. كما روي عن الحسن وغيره. لأنه لما أعلن استحق العقوبة. وأدناها أن يذم عليها لينزجر ويكف الناس عنه وعن مخالطته. ولو لم يذكر إلا بما فيه لاغتر به الناس. فإذا ذكر انكف وانكف غيره عن ذلك وعن صحبته. قال الحسن: أترغبون عن ذكر الفاجر؟ اذكروا بما فيه كي يحذره الناس. و(الفجور) اسم جامع لكل متجاهر بمعصية أو كلام قبيح، يدل السامع له على فجور قلب قائله. ولهذا استحق الهجرة، إذا أعلن ببدعة أو معصية، أو فجور أو تهتك أو مخالطة لمن هذا حاله. بهذا لا يبالي بطعن الناس عليه. فإن هجره نوع تعزير له. فإذا أعلن السيئات، أعلن هجره، وإذا أسر أسر هجره، إذ الهجرة هي الهجرة على السيئات، كقوله:

والرجز فاهجر

[المدثر: 5]، وقوله:

واهجرهم هجرا جميلا

[المزمل: 10]، وقوله:

فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم

[النساء: 140] وقد روي عن عمر؛ أن ابنه عبد الرحمن لما شرب الخمر بمصر وذهب به أخوه إلى أميرها عمرو بن العاص ليحده، جلده سرا، فبعث إليه عمر ينكر عليه. ولم يعتد بذلك حتى أرسل إلى ابنه، فأقدمه المدينة وجلده علانية، وعاش ابنه مدة ثم مرض ثم مات. ولم يمت من الجلد، ولا ضربه بعد الموت، كما يزعمه الكذابون.

وقوله تعالى: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ نهى تعالى عما يأمر به الشيطان في العقوبات عموما وفي الفواحش خصوصا. فإن هذا الباب مبناه على المحبة والشهوة، والرأفة التي يزينها الشيطان بانعطاف القلوب على أهل الفواحش، حتى يدخل كثير من الناس بسبب هذه الآفة في الدياثة، إذا رأى من يهوى بعض المتصلين به، أو يعاشره عشرة منكرة ولو كان ولده، رق به وظن أن هذا من رحمة الخلق. وإنما ذلك دياثة ومهانة وعدم دين وإعانة على الإثم والعدوان. وترك للتناهي عن المنكر. وتدخل النفس به في القيادة التي هي أعظم من الدياثة كما دخلت عجوز السوء مع قومها، في استحسان ما كانوا يتعاطونه من إتيان الذكران والمعاونة لهم على ذلك. وكانت في الظاهر مسلمة على دين زوجها لوط، وفي الباطن منافقة على دين قومها. لا تقلي عملهم كما قلاه لوط. وكما فعل النسوة بيوسف. فإنهن أعن امرأة العزيز على ما دعته إلى من فعل الفاحشة معها ولهذا قال:

محاسن التأويل · الصفحة ٢١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١١١