تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض

[الجمعة: 10] فإن ظاهر الأمر طلب الانتشار عند انقضاء الصلاة، وليس ذلك بمراد حقيقة ولكن الغرض تحقيق زوال المانع وهو الصلاة، وبيان أن الصلاة متى قضيت، فلا مانع. فعبر عن نفي المانع بالانتشار، بما يفهم تقاضي الانتشار مبالغة في تحقيق المعنى عند السامع. والله أعلم.

فتأمل هذا الفصل واتخذه عضدا حيث الحاجة إليه. انتهى.

الثالثة: (في الإكليل): استدل بعضهم بهذه الآية على أنه لا يفسخ النكاح بالعجز عن النفقة، لأنه قال: ﴿ يغنهم الله ﴾ ولم يفرق بينهم.

ثم أرشد تعالى العاجزين عن أسباب النكاح، إلى ما هو أولى لهم، بعد بيان جواز مناكحة الفقراء، بقوله سبحانه:

﴿ وليستعفف الذين... ﴾.

24.33

﴿ وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ﴾ أي: وليجتهد في العفة الذين لا يجدون نكاحا، أي: أسبابه، أو استطاعة نكاح أي: تزوج. فهو على المجاز، أو تقدير المضاف. أو المراد (بالنكاح) ما ينكح به.

قال الشهاب: فإن (فعالا) يكون صفة بمعنى مفعول. ككتاب بمعنى مكتوب. واسم آلة كركاب لما يركب به. وهو كثير. كما نص عليه أهل اللغة. وقوله تعالى: ﴿ حتى يغنيهم الله من فضله ﴾ ترجية للمستعفين وتقدمة وعد بالتفضيل عليهم بالغنى، ليكون انتظار ذلك وتأميله، لطفا لهم في استعفافهم، وربطا على قلوبهم. وليظهر بذلك أن فضله أولى بالأعفاء. وأدنى من الصلحاء. وما أحسن ما رتب هذه الأوامر. حيث أمر أولا بما يعصم من الفتنة، ويبعد عن مواقعة المعصية، وهو غض البصر. ثم بالنكاح، الذي يحصن به الدين، وقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام. ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء، وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح، إلى أن يرزق القدرة عليه. أفاده الزمخشري.

تنبيه

قال في (الإكليل): في الآية استحباب الصبر عن النكاح لمن لا يقدر على مؤنته. واستدل بعضهم بهذه الآية على بطلان نكاح المتعة.

ولما أمر تعالى للسادة بتزويج الصالحين من عبيدهم وإمائهم، مع الرق، رغبهم في أن يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك، ليصيروا أحرارا، فيتصرفوا في أنفسهم كالأحرار: فقال تعالى:

﴿ والذين يبتغون الكتاب ﴾ أي: الكتابة ﴿ مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ﴾ حرصا على تحريرهم الذي هو الأصل فيهم، وحبا بتحقيق المساواة في الأخوة الجنسية. والمكاتبة أن يقول السيد: كاتبتك. أي جعلت عتقك مكتوبا على نفسي، بمال كذا تؤديه في نجوم كذا. ويقبل العبد ذلك، فيصير مالكا لمكاسبه ولما يوهب له، وإنما وجب معه الإمهال، لأن الكسب لا يتصور بدونه. واشترط النجوم لئلا تخلو تلك المدة عن الخدمة وعوضها جميعا. وقوله تعالى: ﴿ إن علمتم فيهم خيرا ﴾ أي: كالأمانة، لئلا يؤدوا النجوم من المال المسروق. والقدرة على الكسب والصلاح، فلا يؤذي أحدا بعد العتق. وقوله تعالى: ﴿ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ﴾ أمر للموالي ببذل شيء من أموالهم. وفي حكمه، حط شيء من مال الكتابة. ولغيرهم بإعطائهم من الزكاة إعانة لهم على تحريرهم.

تنبيه

قال في (الإكليل): في الآية مشروعية الكتابة. وأنها مستحبة. وقال أهل الظاهر: واجبة لظاهر الآية. وأن لندبها أو وجوبها، شرطين: طلب العبد لها وعلم الخير فيه. وفسره مجاهد وغيره بالمال والحرفة والوفاء والصدق والأمانة.

ثم نهى تعالى عن إكراه الجواري على الزنا كما اعتادوه في الجاهلية، بقوله سبحانه ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم ﴾ أي: إماءكم، فإنه يكني بالفتى والفتاة، عن العبد والأمة، وفي الحديث:

" ليقل أحدكم: فتاي وفتاتي، ولا يقل. عبدي وأمتي "

وقوله تعالى: ﴿ على البغآء ﴾ أي: الزنا. يقال: بغت بغيا وبغاء، إذا عهرت. وذلك لتجاوزها إلى ما ليس لها. وقوله تعالى: ﴿ إن أردن تحصنا ﴾ ليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنا، وإخراج ما عداها من حكمه، بل للمحافظة على عادتهم المستمرة، حيث كانوا يكرهونهن على البغاء وهن يردن التعفف عنه، مع وفور شهوتهن الآمرة بالفجور، وقصورهن في معرفة الأمور، الداعية إلى المحاسن، الزاجرة عن تعاطي القبائح، انتهى كلام أبي السعود. أي: وحينئذ فلا مفهوم للشرط، وهذا كجواب بعضهم: إن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن. والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب. كما أن الخلع يجوز في غير حالة الشقاق. ولكن لما كان الغالب وقوع الخلع في حالة الشقاق، لا جرم لم يكن لقوله تعالى:

محاسن التأويل · الصفحة ٢١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١٥٥