تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والزنا واللواطة كمال لذته، إما يكون من العشق. ولا يخلو صاحبهما منه. وإنما لتنقله من محل إلى محل، لا يبقى عشقه مقصورا على محل واحد. بل ينقسم على سهام كثيرة لكل محبوب نصيب من تألهه وتعبده. فليس من الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين. ولهما خاصية في تبعيد القلب من الله. فإنهما من أعظم الخبائث. فإذا انصبغ القلب بهما بعد ممن هو طيب لا يصعد إليه إلا طيب. وكلما ازداد خبثا ازداد من الله بعدا. ولهذا قال المسيح، فيما رواه الإمام أحمد في (كتاب الزهد): لا يكون البطالون من الحكماء ولا يلج الزناة ملكوت السماء. ولما كانت هذه حال الزنا كان قريبا للشرك في كتاب الله تعالى. قال الله تعالى:

الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين

[النور: 3]. والصواب القول بأن هذه الآية محكمة. يعمل بها لم ينسخها شيء. وهي مشتملة على خبر وتحريم. ولم يأت من ادعى نسخها بحجة البتة. والذي أشكل منها على كثير من الناس، واضح بحمد الله تعالى. فإنهم أشكل عليهم قوله:

الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة

[النور: 3] هل هو خبر أو نهي أو إباحة؟ فإن كان خبرا فقد رأينا كثيرا من الزناة ينكح عفيفة. وإن كان نهيا فيكون قد نهى الزاني أن يتزوج إلا بزانية أو مشركة , فيكون نهيا له عن نكاح المؤمنات العفائف، وإباحة له نكاح المشركات والزواني. والله سبحانه لم يرد ذلك قطعا. فلما أشكل عليهم ذلك، طلبوا للآية وجها يصح حملها عليه. فقال بعضهم: المراد من النكاح الوطء والزنا. فكأنه قال: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة. وهذا فاسد. فإنه لا فائدة فيه. ويصان كلام الله تعالى عن حمله على مثل ذلك. فإنه من المعلوم أن الزاني لا يزني إلا بزانية. فأي فائدة في الإخبار بذلك. ولما رأى الجمهور فساد هذا التأويل أعرضوا عنه. ثم قالت طائفة: هذا عام اللفظ خاص المعنى. والمراد به رجل واحد وامرأة واحدة. وهي عناق وصاحبها. فإنه أسلم واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاحها فنزلت هذه الآية. وهذا أيضا فاسد. فإن هذه الصورة المعينة، وإن كانت سبب النزول، فالقرآن لا يقتصر به على محال أسبابه. ولو كان كذلك لبطل الاستدلال به على غيرها.

وقالت طائفة: بل الآية منسوخة بقوله:

وأنكحوا الأيامى منكم

[النور: 32] وهذا أفسد من الكل. فإنه لا تعارض بين هاتين الآيتين. ولا تناقض إحداهما الأخرى. بل أمر سبحانه بإنكاح الأيامى، وحرم نكاح الزانية، كما حرم نكاح المعتدة والمحرمة وذوات المحارم. فأين الناسخ والمنسوخ في هذا؟ فإن قيل: فما وجه الآية؟ قيل: وجهها، والله أعلم، أن المتزوج أمر أن يتزوج المحصنة العفيفة. وإنما أبيح له نكاح المرأة بهذا الشرط. كما ذكر ذلك سبحانه في سورتي النساء والمائدة. والحكم المعلق على الشرط ينتفي عند انتفائه. والإباحة قد علقت على شرط الإحصان. فإذا انتفى الإحصان انتفت الإباحة المشروطة به. فالمتزوج، إما أن يلتزم حكم الله وشرعه الذي شرعه على لسان رسوله، أو لا يلتزمه. فإن لم يلتزمه فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إلا من هو مشرك مثله، وإن التزمه وخالفه، ونكح ما حرم عليه، لم يصح إنكاح. فيكون زانيا، فظهر معنى قوله:

لا ينكح إلا زانية أو مشركة

[النور: 3] وتبين غاية البيان. وكذلك حكم المرأة. وكما أن هذا الحكم هو موجب القرآن وصريحه، فهو موجب الفطرة ومقتضى العقل. فإن الله سبحانه حرم على عبده أن يكون قرنانا ديوثا زوج بغي. فإن الله تعالى فطر الناس على استقباح ذلك واستهجانه. ولهذا إذا بالغوا في سب الرجل قالوا (زوج قحبة) فحرم الله على المسلم أن يكون كذلك. فظهرت حكمة التحريم وبان معنى الآية. والله الموفق.

ومما يوضح التحريم، وأنه هو الذي يليق بهذه الشريعة الكاملة، أن هذه الجناية من المرأة تعود بفساد فراش الزوج، وفساد النسب الذي جعله الله تعالى بين الناس لتمام مصالحهم. وعدوه من جملة نعمه عليهم. فالزنا يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب. فمن محاسن الشريعة تحريم نكاح الزانية حتى تتوب وتستبرأ. وأيضا، فإن الزانية خبيثة، كما تقدم بيانه والله سبحانه جعل النكاح سببا للمودة والرحمة. والمودة خالص الحب، فكيف تكون الخبيثة مودودة للطيب، زوجا له؟ والزوج سمي زوجا من الازدواج. فالزوجان، الاثنان المتشابهان والمنافرة ثابتة بين الطيب والخبيث شرعا وقدرا. فلا يحصل معها الازدواج والتراحم والتواد. فلقد أحسن كل الإحسان من ذهب إلى هذا المذهب، ومنع الرجل أن يكون زوج قحبة. فأين هذا من قول من جوز أن يتزوجها ويطأها الليلة، وقد وطئها الزاني البارحة؟ وقال: ماء الزاني لا حرمة له. فهب أن الأمر كذلك، فماء الزوج له حرمة. فكيف يجوز اجتماعه مع ماء الزاني في رحم واحد؟!.

محاسن التأويل · الصفحة ٢١٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١٤٦