تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24.60

﴿ والقواعد من النسآء ﴾ أي: اللاتي قعدن عن الحيض والولد، لكبرهن ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحا ﴾ أي: لا يطمعن فيه، لرغبة الأنفس عنهن ﴿ فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ﴾ أي: الظاهرة مما لا يكشف العورة، لدى الأجانب. أي: يتركن التحفظ في التستر بها. فلا يلقين عليهن جلابيبهن ولا يحتجبن ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ أي: مظهرات لزينة خفية. يعني الحلي في مواضعه المذكورة في قوله تعالى:

ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن

[النور: 31] أو المعنى غير قاصدات بالوضع، التبرج. ولكن التخفف إذا احتجبن إليه ﴿ وأن يستعففن ﴾ أي: من وضع تلك الثياب ﴿ خير لهن ﴾ لأنه أبلغ في الحياء وأبعد من التهمة والمظنة. ولذا يلزمهن، عند المظنة، ألا يضعن ذلك. كما يلزم مثله في الشابة ﴿ والله سميع عليم ﴾ أي: فيسمع مقالهن مع الأجانب، ويعلم مقاصدهن من الاختلاط ووضع الثياب. وفيه من الترهيب ما لا يخفى.

24.61

﴿ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ﴾ أي: في القعود عن الغزو، لضعفهم وعجزهم. وهذه الآية كالتي في سورة الفتح [الآية: 17] وكآية براءة

ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله

[التوبة: 91] وهذا ما ذهب إليه عطاء وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وزعم أنه لا يلائم ما قبله ولا ما بعده، مردود بأن المراد أن كلا من الطائفتين منفي عنه الحرج. ومثال هذا - كما قال الزمخشري: أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان. وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر. قلت له: ليس على المسافر حرج أن يفطر، ولا عليك، يا حاج أن تقدم الحلق عن النحر. يعني أنه إذا كان في العطف غرابة، لبعد الجامع في بادئ النظر، وكان الغرض بيان حكم حوادث تقاربت في الوقوع، والسؤال عنها والاحتياج إلى البيان لكونها في معرض الاستفتاء والإفتاء، كان ذلك جامعا بينها، محسنا للعطف، وإن تباينت.

قال الشهاب: وبهذا يظهر الجواب عن زعم أنه لا يلائم ما قبله ولا ما بعده. لأن ملائمته لما بعده قد عرف وجهها. وأما ملائمته لما قبله فغير لازمة، إذا لم يعطف عليه. انتهى.

وقيل: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم، وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم، فيطعمونهم منها. فخالج قلوب المطعمين والمطعمين ريبة في ذلك. وخافوا أن يلحقهم فيه حرج. وكرهوا أن يكون أكلا بغير حق، لقوله تعالى:

ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل

[البقرة: 188] فقيل لهم: ليس على الضعفاء، ولا على أنفسكم، يعني عليكم، وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين، حرج في ذلك.

وقيل: كان هؤلاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم، لما عسى يؤدي إلى الكراهة من قبلهم. ولأن الأعمى ربما سبقت يده إلى ما سبقت عين أكيله إليه وهو لا يشعر. والأعرج يتفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه، فيضيق على جليسه. والمريض لا يخلو عن حالة تؤنف.

وقيل: كانوا يخرجون إلى الغزو، ويخلفون الضعفاء في بيوتهم، ويدفعون إليهم المفاتيح، ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم. فكانوا يتحرجون. فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت.

هذا ما ذكروه. ولا يخفى صدق الآية على جميع ذلك، ونفي الحرج عنه كله. ولا يستلزم نفي الحرج عن مواكلة المريض على هذه الأوجه الأخر، أن يشرك أكيله الصحيح في غمس يده من إنائه مما حظر منه الطب، وغدت الأنفس تعافه. بل يراد به حضوره مع الصحيح على مائدة، واختصاصه بقصعة على حدة. وما أحسن عادة الانفراد بالقصاع، مما تطيب معه نفس المرضى والأصحاء في الاجتماع.

وقوله تعالى: ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ﴾ أي: بيوت أزواجكم وعيالكم. أضافه إليهم، لأن بيت المرأة كبيت الزوج وهذا قول الفراء.

محاسن التأويل · الصفحة ٢١٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١٧١