" فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام "
والثريد هو أفضل الأطعمة، لأنه خبز ولحم. كما قال الشاعر:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم
فذاك أمانة الله الثريد
وذلك أن البر أفضل الأقوات. واللحم أفضل الإدام، كما في الحديث الذي رواه ابن قتيبة وغيره. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" سيد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحم "
فإذا كان اللحم سيد الإدام، والبر سيد الأقوات، ومجموعهما الثريد، كان الثريد أفضل الطعام.
وقد صح من غير وجه عن الصادق المصدوق أنه قال:
" فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام "
وفي الصحيح عن عمرو بن العاص قال:
" قلت: يا رسول الله! أي: النساء أحب إليك؟ قال: " عائشة " قلت: ومن الرجال؟ قال: " أبوها " قلت: ثم من؟ قال: " عمر " , وسمى رجالا "
وهؤلاء يقولون: قوله عليه الصلاة والسلام لخديجة:
" ما أبدلني الله خيرا منها "
إن صح معناه ما أبدلني خيرا لي منها، فإن خديجة نفعته في أول الإسلام نفعا لم يقم غيرها فيه مقامها. فكانت خيرا له من هذا الوجه، لكونها نفعته وقت الحاجة, وعائشة صحبته في آخر النبوة وكمال الدين. فحصل لها من العلم والإيمان ما لم يحصل لمن لم يدرك إلا أول النبوة. فكانت أفضل لهذه الزيادة. فإن الأمة انتفعت بها أكثر مما انتفعت بغيرها، وبلغت من العلم والسن ما لم يبلغه غيرها فخديجة كان خيرها مقصورا على نفس النبي صلى الله عليه وسلم لم تبلغ عنه شيئا، ولم تنتفع بها الأمة كما انتفعوا بعائشة. ولأن الدين لم يكن قد كمل حتى تعلمه، ويحصل لها من كمالاته ما حصل لمن علم وآمن به بعد كماله، ومعلوم أن من اجتمع همه على شيء واحد، كان أبلغ فيه ممن تفرق همه في أعمال متنوعة. فخديجة رضي الله تعالى عنها خير له من هذا الوجه.
لكن أنواع البر لم تحصر في ذلك. ألا ترى أن من كان من الصحابة أعظم إيمانا، وأكثر جهادا بنفسه وماله. كحمزة وعلي وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وغيرهم، هم أفضل من كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم وينفعه في نفسه أكثر منهم كأبي رافع وأنس بن مالك وغيرهما.
وفي الجملة، الكلام في تفضيل عائشة وخديجة ليس هذا موضع استقصائه. لكن المقصود هنا أن أهل السنة مجمعون على تعظيم عائشة ومحبتها. وإن نساؤه صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين اللواتي مات عنهن، كانت عائشة أحبهن إليه وأعظمهن حرمة عند المسلمين. وقد ثبت في الصحيح أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة، لما يعلمون من محبته إياها. حتى أن نساؤه غرن من ذلك. وأرسلن إليه فاطمة رضي الله عنها تقول له: نساؤك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة: فقال لفاطمة:
" أي: بنية أما تحبين ما أحب "؟ قالت: بلى. قال: " فأحبي هذه "
، الحديث في الصحيحين وفي الصحيحين أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" يا عائشة! هذا جبريل يقرأ عليك السلام " قالت: وعليه السلام ورحمة الله. ترى ما لا نرى ".
ووهبت سودة بنت زمعة يومها لعائشة رضي الله عنهما، بإذنه صلى الله عليه وسلم. وكان في مرضه الذي مات فيه يقول:
" أين أنا اليوم؟ "
استبطاء ليوم عائشة. ثم استأذن نساءه أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها، فمرض فيه. وفي بيتها توفى بين سحرها ونحرها وفي حجرها. وكانت رضي الله عنها مباركة على أمته. حتى قال أسيد بن حضير، لما أنزل الله آية التيمم بسببها: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. ما نزل بك أمر قط تكرهينه إلا جعل الله فيه للمسلمين بركة. وقد كانت نزلت آية براءتها قبل ذلك، لما رماها أهل الإفك. فبرأها الله من فوق سبع سماوات، وجعلها من الصينات. وبالله التوفيق. انتهى.
وأغرب الإمام ابن حزم، فذهب إلى أن أفضل الناس بعد الأنبياء، نساؤه صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أن عائشة فضلاهن. وقد أسهب في ذلك في كتابه (الملل) فارجع إليه.