ثم بين تعالى حكم الرامين لأزواجه خاصة، بعد بيان حكم الرامين بغيرهن، بقوله سبحانه: ﴿ والذين يرمون... ﴾.
24.6-7
﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ أي: بالزنا ﴿ ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ﴾ أي: فيما رماها به من الزنا ﴿ والخامسة ﴾ أي: والشهادة الخامسة للأربع المتقدمة ﴿ أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين ﴾ أي: فيما رماها به من الزنا. فيسقط عنه حد القذف، ويجب عليها الحد وهو الرجم. إلا إن لاعنت أيضا. كما قال سبحانه: ﴿ ويدرؤا عنها... ﴾.
24.8-10
﴿ ويدرؤا عنها العذاب ﴾ أي: الدنيوي وهو الرجم ﴿ أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ﴾ أي: فيما رماها به من الزنا ﴿ والخامسة أن غضب الله عليهآ إن كان ﴾ أي: الزوج ﴿ من الصادقين * ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم ﴾ أي: لحرجتم ولشق عليكم كثير من أموركم. ولكن لرحمته ولطفه، شرع لكم من الفرج والمخرج، ما أنزله وأحكمه.
تنبيهات
الأول: قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج، إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة، أن يلاعنها كما أمر الله عز وجل. وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به. فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين. أي فيما رماها به من الزنا. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء. وحرمت عليه أبدا. ويعطيها مهرها. ويتوجه عليها حد الزنا. ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. أي: فيما رماها به. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
الثاني: روي في الصحيح أن ذلك وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
" وأن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت رجلا رأى مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد قضى الله فيك وفي امرأتك ". وتلا عليه ما نزل من هذه الآية. فتلاعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
وصح أيضا أنها قد وقعت لرجلين سميا. وقد اختلف شراح الصحيح في معنى ما روي من أنها نزلت فيهما معا.
وإذا راجعت ما كتبناه في (المقدمة) في معنى سبب النزول، زال الإشكال، فارجع إليه.
الثالث: قال السيوطي في (الإكليل): هذه الآية أصل في اللعان، ففيها أن شرطه سبق قذف. وأنه إنما يكون بين الزوجين لا بين الرجل وأجنبية ولا السيد وأمته. واستدل بعمومها من قال بلعان الكفار والعبيد والخصي والمجبوب والمحدود في القذف والأعمى والأخرس، ومن الصغيرة التي لا تحمل والآيسة. واستدل بقوله:
ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم
[النور: 6] من قال: لا لعان إذا أقام البينة على زناها، وبقوله:
فشهادة أحدهم
[النور: 6] من قال: إن اللعان شهادة لا يمين. وقوله:
أربع شهادات بالله...
[النور: 6] الخ فيه أن صيغته أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين، أربعا والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فاستدل به من لم يجز إبدال أشهد (بأحلف أو أقسم ونحوه) أو الله (بالرحمن ونحوه) أو زاد (بعلم الله ونحوه) ومن لم يوجب زيادة (الذي لا إله إلا هو) ومن لم يجز إسقاط (إني لمن الصادقين) ولا إبدالها (بما كذبت عليها ونحوه) ولا الاكتفاء بدون أربع، خلافا لأبي حنيفة، في اكتفائه بثلاث شهادات.
ولا تقديم اللعنة على الشهادة، أو توسطها، أو إبدالها بالغضب. وقوله تعالى: ﴿ ويدرؤا عنها العذاب... ﴾ الآية، فيه أن لعانه يوجب على المرأة حد الزنا وأن لها دفعه بأن تقول أربع مرات. أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها الخ. وفيه أيضا أنه لا يجوز لها أن تبدل أشهد (بأحلف) أو الغضب (باللعنة) إلى آخر ما تقدم واستدل به على أنه لا يجوز تقديم لعانها على لعانه. انتهى.