24.34
﴿ ولقد أنزلنآ إليكم آيات مبينات ﴾ أي: واضحات أو مفسرات لكل ما تهم حاجتكم إليه من عبادات ومعاملات وآداب. ومنه ما ذكر قبل، من النهي عن الإكراه. فلا يخفى المراد منها ﴿ ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ﴾ أي: خبرا عظيما عن الأمم الماضية وما حل بهم، بظلمهم وتعديهم حدود الله تعالى: ﴿ وموعظة للمتقين ﴾ أي: فيتعظون به وينزجرون عما لا ينبغي لهم. كما قال تعالى:
فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين
[الزخرف: 56] أي: عبرة يعتبرون بها. وإيثار (المتقين) لحث المخاطبين على الانتظام في سلكهم، فإنهم الفائزون.
24.35
﴿ الله نور السموت والأرض ﴾ أي: منورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار. فهو مجاز من إطلاق الأثر على مؤثره. كما يطلق السبب على مسببه. أو مدبرهما، من قولهم للرئيس الفائق في التدبير (نور القوم) لأنهم يهتدون به في الأمور فيكون مجازا. أو استعارة استعير (النور) بمعنى المنور، للمدبر، لعلاقة المشابهة في حصول الاهتداء. أو موجدهما. فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره - كما قاله الغزالي - فيكون أطلق عليه تعالى مجازا مرسلا باعتبار لازم معناه.
قال أبو السعود: وعبر عن المنور بالنور، تنبيها على قوة التنوير وشدة التأثير. وإيذانا بأنه تعالى ظاهر بذاته، وكل ما سواه ظاهر بإظهاره. كما أن النور نير بذاته وما عداه مستنير به. وأضيف (النور) إلى ﴿ السموت والأرض ﴾ للدلالة على سعة إشراقه. أو المراد بهما العالم كله.
﴿ مثل نوره ﴾ أي: صفة نوره العجيبة الشأن. قال أبو السعود: أي: نوره الفائض منه تعالى على الأشياء المستنيرة به وهو القرآن المبين. كما يعرب عنه ما قبله من وصف آياته بالإنزال والتبيين. وقد صرح بكونه نورا أيضا في قوله تعالى:
وأنزلنآ إليكم نورا مبينا
[النساء: 174] وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما، والحسن، وزيد بن أسلم رحمهم الله تعالى.
﴿ كمشكاة ﴾ أي: كصفة كوة - طاقة - غير نافذة في الجدار، في الإنارة والتنوير ﴿ فيها مصباح ﴾ أي: سراج ضخم ثاقب - شديد الإضاءة - وقيل: المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل، والمصباح الفتيلة المشتعلة ﴿ المصباح في زجاجة ﴾ أي: قنديل من الزجاج الصافي الأزهر ﴿ الزجاجة كأنها كوكب دري ﴾ أي: متلألئ وقاد شبيه بالدر في صفائه وزهرته ﴿ يوقد من شجرة مباركة ﴾ أي: كثيرة المنافع، بأن رويت فتيلته بزيتها.
﴿ زيتونة لا شرقية ولا غربية ﴾. أي لا شرقية تقع عليها الشمس وقت الشروق فقط، ولا غربية تقع عليها عند الغروب. ولا تصيبها في الغداة. بل في مكان عليها الشمس مشرقة من أول طلوعها إلى آخر غروبها. كصحراء أو رأس جبل. فزيتها أضوأ: ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ﴾ أي: يكاد يضيء بنفسه من غير نار لصفائه ولمعانه.
﴿ نور على نور ﴾ أي: ذلك النور الذي عبر به عن القرآن، ومثلت صفته العجيبة بما فضل عن صفة المشكاة. نور عظيم كائن على نور كذلك. ف (نور) خبر مبتدأ محذوف، والجار متعلق بمحذوف صفة له مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة، والجملة فذلكة للتمثيل، وتصريح لما حصل منه، وتمهيد لما يعقبه. وليس معنى: ﴿ نور على نور ﴾ نور واحد فوق آخر مثله، ولا مجموع نورين اثنين فقط، بل هو عبارة عن نور متضاعف كتضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما ذكر.
فإن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة، كان أضوأ له وأجمع لنوره. بخلاف المكان الواسع، فإن الضوء ينبث فيه وينتشر. والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة. وكذلك الزيت وصفاؤه. وليس وراء هذه المراتب مما يزيد نورها إشراقا، مرتبة أخرى عادة. ﴿ يهدي الله لنوره من يشآء ﴾ أي: لهذا النور الثاقب العظيم الشأن، بأن يوفقهم للإيمان به وفهم دلائل حقيته.
قال أبو السعود: وإظهاره في مقام الإضمار. لزيادة تقريره، وتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية الناشئة من إضافته إلى ضميره عز وجل ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ أي: ليدنو لهم المعقول من المحسوس، توضيحا وبيانا. ولذلك مثل نوره المعبر عنه بالقرآن، بنور المشكاة ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ أي: فلا يخفى عليه شيء. وفيه وعد ووعيد. لأن علمه تعالى، عبارة عن مجازاته في أمثال هذه الآي.