تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الآية دليل على وجوب الصلة والنفقة وغيرها لذوي الأرحام الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب. فإنه قد ثبت في الصحيح عن عائشة في قصة الإفك، أن أبا بكر الصديق حلف ألا ينفق على مسطح بن أثاثة، وكان أحد الخائضين في الإفك في شأن عائشة. وكانت أم مسطح بنت خالة أبي بكر. وقد جعله الله من ذوي القربى الذين نهى عن ترك إيتائهم. والنهي يقتضي التحريم.

فإذا لم يجز الحلف على ترك الفعل، كان الفعل واجبا، لأن الحلف على ترك الجائز جائز. انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

الرابع: قال الزمخشري: لو فليت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة، لم تر الله تعالى قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة، رضوان الله عليها. ولا أنزل من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد والعتاب البليغ والزجر العنيف واستعظام ما ركب من ذلك واستفظاع ما أقدم عليه - ما أنزل فيه، على طرق مختلفة وأساليب مفتنة. كل واحد منها كان في بابه ولم ينزل إلا هذه الثلاث يعني قوله تعالى:

إن الذين يرمون

[النور: 23] إلى قوله تعالى:

هو الحق المبين

[النور: 25] لكفى بها. حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعا. وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة. وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا. وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله، حتى يعلموا عند ذلك، أن الله هو الحق المبين. فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر، بما لم يقع في وعيد المشركين، عبدة الأوثان، إلا ما هو دونه في الفظاعة. وما ذلك إلا لأمر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان بالبصرة يوم عرفة. وكان يسأل عن تفسير القرآن. حتى سأل عن هذه الآيات فقال: من أذنب ذنبا ثم تاب قبلت توبته، إلا من خاض في أمر عائشة. وهذه منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك. ولقد برأ الله تعالى أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد

وشهد شاهد من أهلهآ

[يوسف: 26] وبرأ موسى من قول اليهود فيه، بالحجر الذي ذهب بثوبه. وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى في حجرها

إني عبد الله

[مريم: 30] وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر، مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات. فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك؟ وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتنبيه على إنافة محل سيد ولد أدم وخيرة الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين.

ومن أراد أن يتحقق عظمة شأنه صلى الله عليه وسلم وتقدم قدمه وإحرازه لقصب السبق دون كل سابق فليتعلق ذلك من آيات الإفك. وليتأمل كيف غضب الله له في حرمته, وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه.

فإن قلت: إن كانت عائشة هي المرادة، فكيف قيل: المحصنات؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يراد بالمحصنات أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم وأن يخصصن بأن من قذفهن، فهذا الوعيد لا حق به. وإذا أردن عائشة كبراهن منزلة وقربة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت المرادة أولا. والثاني: أنها أم المؤمنين، فجمعت. إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة الموصوفات بالإحصان والغفلة والإيمان انتهى.

قال الناصر: والأظهر أن المراد عموم المحصنات. والمقصود بذكرهن على العموم، وعيد من وقع في عائشة، على أبلغ الوجوه، لأنه إذا كان هذا وعيد قاذف آحاد المؤمنات، فما الظن بوعيد من قذف سيدتهن وزوج سيد البشر صلى الله عليه وسلم؟ على أن تعميم الوعيد أبلغ وأفظع من تخصيصه. وهذا معنى قول زليخا

ما جزآء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم

[يوسف: 25] فعممت أرادت يوسف، تهويلا عليه وإرجافا. والمعصوم من عصمه الله تعالى. انتهى.

الخامس: قال الإمام ابن تيمية في (منهاج السنة) ذهب كثير من أهل السنة إلى أن عائشة رضي الله عنها أفضل نسائه عليه الصلاة والسلام واحتجوا بما في الصحيحين عن أبي موسى وعن أنس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

محاسن التأويل · الصفحة ٢١٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١٤٣