" لا تصحبنا ناقة ملعونة "
ولما اجتاز بديار ثمود قال:
" لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين. لئلا يصيبكم ما أصابهم "
فنهى عن عبور ديارهم إلا على وجه الخوف المانع من العذاب.
وهكذا السنة في مقارنة الظالمين والزناة وأهل البدع والفجور وسائر المعاصي. لا ينبغي لأحد أن يقارنهم ويخالطهم إلا على وجه يسلم به من عذاب الله عز وجل، وأقل ذلك أن يكون منكرا لظلمهم، ماقتا لهم شانئا ما هم فيه بحسب الإمكان. كما في قوله:
" من رأى منكم منكرا لظلمهم، فليغيره بيده "
الخ وقال تعالى:
وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون...
[التحريم: 11] الآية. وكذلك ما ذكره عن يوسف وعمله لصاحب مصر لقوم كفار. وذلك أن مقارنة الكفار إنما يفعلها المؤمن في موضعين: أحدهما: أن يكون مكرها عليها. والثاني: أن يكون في ذلك مصلحة دينية، راجحة على مفسدة المقارنة، أو أن يكون في تركها مفسدة راجحة في دينه. فيدفع أعظم المفسدين باحتمال أدناهما، وتحصل المصلحة الراجحة باحتمال المفسدة المرجوحة.
وفي الحقيقة: المكره هو من يدفع الفساد باحتمال أدناهما. وهو الأمر الذي أكره عليه قال تعالى:
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان
[النحل: 106]، وقال تعالى:
ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء...
[النور: 33] الآية، وقال تعالى:
إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم
[النساء: 97] إلى قوله:
غفورا
[النساء: 99] وقال:
وما لكم لا تقتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنسآء والولدن...
[النساء: 75] الآية، فقد دلت الآية على النهي عن مناكحة الزاني، والمناكحة نوع خاص من المصاحبة. والمناكحة في أصل اللغة المجامعة. فقلوبهما تجتمع إذا عقد النكاح بينهما، ويصير بينهما من التعاطف ما لم يكن قبل ذلك. حتى يثبت ذلك حرمة المصاهرة في غير الربيبة، بمجرد ذلك في التوارث وعدة الوفاة وغير ذلك. وأوسط ذلك اجتماعهما خاليين في مكان واحد، وهو المعاشرة المقررة للصداق، كما أفتى به الخلفاء. وآخر ذلك اجتماع المباضعة. وهذا، وإن اجتمع بدون عقد نكاح، فهو اجتماع ضعيف، بل اجتماع القلوب أعظم من مجرد اجتماع البدنين بالسفاح ودل قوله تعالى: ﴿ والطيبات للطيبين ﴾ على ذلك من جهة المعنى ومن جهة اللفظ. ودل أيضا على النهي عن مقارنة الفجار ومزاوجتهم. كما دل على هذا غير ذلك من النصوص. مثل قوله تعالى:
احشروا الذين ظلموا وأزواجهم
[الصافات: 22] أي: نظراءهم وأشباههم. والزواج أعم من النكاح المعروف. قال تعالى:
أو يزوجهم ذكرانا وإناثا
[الشورى: 50]، وقال:
من كل زوج بهيج
[الحج: 5]، وقال:
وإذا النفوس زوجت
[التكوير: 7] وقال:
ومن كل شيء خلقنا زوجين
[الذاريات: 49]، وقال:
وخلقناكم أزواجا
[النبأ: 8]. وقال:
إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم
[التغابن: 14] وإن كان في الآية نص في الزوجة التي هي الصاحبة وفي الولد منها. فمعنى ذلك: في كل مشابه ومقارن في كل نوع وتابع
وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك...
[الإسراء: 111]،
تبارك الذي نزل الفرقان على عبده...
[الفرقان: 1] الآيتين.
فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا تجوز إلا مع طاعة الله على مراد الله.
ويدل عليه الحديث الذي في السنن
" لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي "
، وفيها:
" المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل "
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة:
" إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد "
إلى قوله
" ثم إن زنت فليبعها ولو بضفير "
والضفير الحبل وهذا أمر ببيعها ولو بأدنى ما يقابله. قال أحمد: إن لم يبعها كان تاركا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. والإماء اللاتي يفعلن هذا، يكون عامتهن للخدمة. فكيف بأمة التمتع؟ وإذا وجب إخراج الأمة الزانية عن ملكه، فكيف بالزوجة الزانية؟ والعبد نظير الأمة، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: