تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لعن الله من آوى محدثا "

فهذا يوجب لعنة كل من آوى محدثا. سواء كان إحداثه بالزنا أو السرقة، أو غير ذلك. وسواء كان الإيواء بملك اليمين، أو نكاح، أو غير ذلك. لأن أقل ما فيه ترك إنكار المنكر.

والمؤمن يحتاج إلى امتحان من يريد أن يصاحبه ويقارنه، بالنكاح وغيره. قال تعالى:

إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن

[الممتحنة: 10] وكذلك المرأة التي زنا بها الرجل، فإنه لا يتزوجها إلا بعد التوبة في الأصح. كما دل عليه الكتاب والسنة والآثار. لكن إذا أراد أن يمتحنها، هل هي صحيحة التوبة؟ فقال ابن عمر: يراودها. فإن أجابته لم تصح توبتها. وإن لم تجبه فقد تابت. ونص عليه أحمد. وقيل: هذا فيه طلب الفاحشة. وقد تنقض التوبة، وقد تأمره نفسه بتحقيق ذلك. ويزين له الشيطان، لا سيما إن كان يحبها وتحبه، وقد ذاقته وذاقها. ومن قال بالأول قال: الأمر الذي يقصد به امتحانها، لا يكون أمرا بما نهى الله عنه. ويمكنه أن لا يطلب الفاحشة بل يعرض. والتعريض للحاجة جائز. بل واجب في مواضع كثيرة. وأما نقضها، فإذا جاز أن تنقض للتوبة معه، جاز أن تنقضها مع غيره والمقصود أن تكون ممتنعة ممن يراودها. وأما تزيين الشيطان له الفعل، فهذا داخل في كل أمر يفعله الإنسان من الخير يجد فيه محنة.

فإذا أراد المؤمن أن يصاحب أحدا، وقد ذكر عنه الفجور، وقيل إنه تاب، أو كان ذلك مقولا صدقا أو كذبا، فإنه يمتحنه بما يظهر به بره وفجوره، وكذلك إذا أراد أن يولي أحدا ولاية، امتحنه، كما أمر عمر بن عبد العزيز غلامه أن يمتحن ابن أبي موسى، لما أعجبه سمته. فقال له: قد علمت مكاني عند أمير المؤمنين. فكم تعطيني إذا أشرت عليه بولايتك؟ فبذل له مالا عظيما. فعلم أنه ليس ممن يصلح للولاية. وكذلك في المعاملات. وكذلك الصبيان والمماليك الذين عرفوا، أو قيل عنهم الفجور، وأراد الرجل أن يشتريه فإنه يمتحنه. ومعرفة أحوال الناس تارة تكون بشهادات الناس، وتارة بالجرح والتعديل، وتارة بالاختبار والامتحان.

ثم قال ابن تيمية رحمه الله: وكما عظم الله الفاحشة، عظم ذكرها بالباطل - وهو القذف. فقال بعد ذلك:

والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة

[النور: 4] الآية. ثم ذكر رمي الرجل امرأته وما أمر فيه من التلاعن. ثم ذكر قصة أهل الإفك وبين ما في ذلك من الخير للمقذوف، وما فيه من الإثم للقاذف، وما يجب على المؤمنين إذا سمعوا ذلك أن يظنوا بإخوانهم من المؤمنين الخير، ويقولون: هذا إفك مبين. لأن دليله كذب ظاهر. ثم أخبر أن قول بلا حجة فقال:

لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء فإذ لم يأتوا بالشهدآء فأولئك عند الله هم الكاذبون

[النور: 13] ثم أخبر أنه لولا فضله عليهم ورحمته لعذبهم بما تكلموا به.

وقوله:

إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم

[النور: 15] فهذا بيان لسبب العذاب. وهو تلقي الباطل بالألسنة، والقول بالأفواه. وهما نوعان محرمان: القول بالباطل والقول بلا علم. ثم قال سبحانه:

ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم

[النور: 16] فالأول تحضيض على الظن الحسن، وهذا نهي لهم عن التكلم بالقذف. ففي الأول قوله:

اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن

[الحجرات: 12] وقوله صلى الله عليه وسلم:

" إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ".

وقوله:

ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا

[النور: 12] دليل على حسن مثل هذا الظن الذي أمر الله به. وفي الصحيح قوله لعائشة:

" ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا "

؟ فهذا يقتضي جواز بعض الظن، كما احتج البخاري بذلك. لكن مع العلم بما عليه المرء المسلم من الإيمان الرادع له عن فعل الفاحشة، يجب أن يظن به الخير دون الشر. وفي الآية نهي عن تلقي مثل هذا باللسان، ونهى عن قول الإنسان ما ليس له به علم. لقوله تعالى:

محاسن التأويل · الصفحة ٢١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١٣٧