تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23.21-22

﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة ﴾ أي: تعتبرون بحالها وتستدلون بها ﴿ نسقيكم مما في بطونها ﴾ أي: من الألبان ﴿ ولكم فيها منافع كثيرة ﴾ أي: في ظهورها وأصوافها وشعورها ونتاجها ﴿ ومنها تأكلون * وعليها وعلى الفلك تحملون ﴾ أي: بخلقه وتسخيره وإلهامه. فله الحمد.

قال الزمخشري: والقصد بالأنعام أي الإبل، لأنها هي المحمول عليها في العادة. وقرنها بالفلك التي هي السفائن، لأنها سفائن البر.

قال ذو الرمة:

سفينة بر تحت خدي زمامها

قال الشهاب: وجعل الإبل سفائن البر معروف مشهور. وهي استعارة لطيفة. وقد تصرفوا فيها تصرفات بديعة. كقول بعض المتأخرين:

لمن شجر أثقلتها ثمارها

سفائن بر والسراب بحارها

ولما بين تعالى دلائل التوحيد، تأثره بقصص بعثة الرسل لعلو كلمته، فقال سبحانه: ﴿ ولقد أرسلنا... ﴾.

23.23-25

﴿ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون * فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا ﴾ أي: الداعي إلى عبادة الله وحده. بدعوى الرسالة منه ﴿ إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ﴾ أي: أن يطلب الفضل عليكم ويرأسكم، كقوله تعالى:

وتكون لكما الكبريآء في الأرض

[يونس: 78] ﴿ ولو شآء الله ﴾ أي: إرسال رسول ﴿ لأنزل ملائكة ﴾ أي: من السماء ﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ أي: بمثل ما يدعو إليه ﴿ في آبآئنا الأولين * إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين ﴾ أي: لعله يرجع أو يفيق من جنته أو يتمادى فنكيد له.

قال الرازي: واعلم أنه سبحانه ما ذكر الجواب عن شبههم هذه الخمسة، لركاكتها ووضوح فسادها. وذلك لأن كل عاقل يعلم أن الرسول لا يصير رسولا إلا لأنه من جنس الملك. وإنما يصير كذلك بأن يتميز من غيره بالمعجزات. فسواء كان من جنس الملك أو جنس البشر، فعند ظهور المعجز عليه يجب أن يكون رسولا. بل جعل الرسول من جملة البشر أولى. لما مر بيانه في السورة المتقدمة. وهو أن الجنسية مظنة الألفة والمؤانسة. وأما قولهم: ﴿ يريد أن يتفضل عليكم ﴾ فإن أرادوا به إرادته لإظهار فضله، حتى يلزمهم الانقياد لطاعته، فهذا واجب على الرسول. وإن أرادوا به أن يرتفع عليهم على سبيل التجبر والتكبر والانقياد، فالأنبياء منزهون عن ذلك. وأما قولهم: ﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ فهو استدلال بعدم التقليد، على عدم وجود الشيء. وهو في غاية السقوط، لأن وجود التقليد لا يدل على وجود الشيء. فعدمه من أن يدل على عدمه؟ وأما قولهم: ﴿ به جنة ﴾ فقد كذبوا، لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة كمال عقله. وأما قولهم: ﴿ فتربصوا به ﴾ فضعيف، لأنه إن ظهرت الدلالة على نبوته وهي المعجزة، وجب عليهم قبول قوله في الحال، ولا يجوز توقيف ذلك إلى ظهور دولته. لأن الدولة لا تدل على الحقيقة. وإن لم يظهر المعجز لم يجز قبول قوله، سواء ظهرت الدولة أو لم تظهر. ولما كانت هذه الأجوبة في نهاية الظهور، لا جرم تركها الله سبحانه. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٠٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٠٩١