23.12-13
﴿ ولقد خلقنا الإنسان ﴾ أي: ابتدأنا خلقه ﴿ من سلالة ﴾ أي: خلاصة ﴿ من طين ﴾ أي: تراب خلط بماء فصار نباتا فأكله إنسان فصار دما ﴿ ثم جعلناه نطفة ﴾ أي: بأن خلقناه منها. أو ثم جعلنا السلالة نطفة بالتصفية ﴿ في قرار ﴾ أي: مستقر، وهو رحم المرأة الذي نقل إليه ﴿ مكين ﴾ أي: متمكن لا يمج ما فيه.
23.14
﴿ ثم خلقنا النطفة علقة ﴾ أي: بالاستحالة من بياض إلى حمرة كالدم الجامد ﴿ فخلقنا العلقة مضغة ﴾ أي: قطعة لحم بقدر ما يمضغ ﴿ فخلقنا المضغة عظاما ﴾ أي: بأن صلبناها وجعلناها عمودا للبدن، على هيئات وأوضاع مخصوصة، تقتضيها الحكمة ﴿ فكسونا العظام لحما ﴾ أي: جعلناه محيطا بها ساترا لها كاللباس ﴿ ثم أنشأناه خلقا آخر ﴾ أي: بتمييز أعضائه وتصويره، وجعله في أحسن تقويم ﴿ فتبارك الله ﴾ أي: تعاظم قدرة وحكمة وتصرفا ﴿ أحسن الخالقين ﴾ أي: المقدرين. ف (الخلق) بمعنى التقدير كقوله:
ولأنت تفري ما خلقت وبع
ض القوم يخلق ثم لا يفري
لا بمعنى الإيجاد. إذ لا خالق غيره، إلا أن يكون على الفرض.
23.15-17
﴿ ثم إنكم بعد ذلك ﴾ أي: بعد ما ذكر من الأمور العجيبة وتحصيل هذه الكمالات ﴿ لميتون ﴾ أي: لصائرون إلى الموت. قال المهايمي: والحكيم لا يتلف ما استكمله بأنواع التكميل، ولذلك سيبعثه كما قال: ﴿ ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ﴾ أي: من قبوركم للحساب والمجازاة ﴿ ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق ﴾ أي: سبع سماوات هي طرق للملائكة والكواكب فيها مسيرها.
قال بعض علماء الفلك في تفسير هذه الآية: أي: سبعة أفلاك، للسبع سماوات، لكل سماء طريق تجري بما معها من الأقمار. قال: فلذلك دلنا الله سبحانه بأن العالم الشمسي ينقسم إلى سبع طرائق، خلاف طريق الأرض الذي يعينه قوله تعالى: ﴿ فوقكم ﴾ فالمسافة ابتداء من منتصف البعد بين الشمس وعطارد تقريبا، إلى منتهى فلك نبتون، تنقسم إلى سبعة أقسام بحسب بعد كل سيار. كل قسم تجري فيه سماء بما معها. ويسمى هذا الطريق فلكا. اه.
﴿ وما كنا عن الخلق غافلين ﴾ أي: عن ذلك المخلوق، الذي هو السماوات، أو جميع المخلوقات. فالتعريف على الأول، عهدي، وعلى الثاني استغراقي. أي: ما كنا مهملين أمر الخلق، بل نحفظه وندبر أمره حتى يبلغ منتهى ما قدر له من الكمال، حسبما اقتضته الحكمة، وتعلقت به المشيئة.