تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا هو المقصود بالرسالة. فإنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم تسليما. انتهى.

وفي كلامه رحمه الله نظر من وجوه:

أولا: دعواه أن المأثور يوافق القرآن. فإنه ذهاب إلى أن الإلقاء إلقاء في الآيات. ولا تدل الآية عليه، لا مطابقة ولا التزاما. بل القول بذلك ينافي التنزيل والوحي منافاة النار للماء، كما ستراه.

وثانيا: دعواه أن تلك الرواية نقلها ثابت لا يمكن القدح فيه. فقد قدح فيها من لا يحصى من المتقدمين والمتأخرين. ويكفي أن تلميذه الحافظ ابن كثير قال: قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق. وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنا منهم أن مشركي قريش أسلموا. ولكنها من طرق كلها مرسلة. ولم أرها مسندة من وجه صحيح. وتعداد طرقها، بعد ضعف أصلها، لا يفيد. وهذه شبهة يعتمدها كثير من الواقفين مع الروايات. يظنون أن الضعيف بكثرة طرقه يقوى. والحال أن الضعيف ضعيف كيفما جاء. وقد سرت هذه الشبهة للحافظ ابن حجر. فأخذ يقوي بعض طرقها ويصححها من جهة الإسناد. كما ستمر بك مناقشته. ولو كان لها أدنى رائحة من الصحة لأخرجها البخاري معلقة أو موقوفة، أو أرباب السنن.

وثالثا: اعترافه بأن السؤال وارد على تقدير ثبوتها، وإلقاء الشيطان ذلك في مسامعهم، مما يبرهن أن فيها مغامز تنبذها العقول، كما نبذتها صحة النقول.

فصل

وقال الفخر الرازي في (تفسيره): هذه الرواية باطلة موضوعة، عند أهل التحقيق. واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول. أما القرآن فوجوه:

أحدها: قوله تعالى:

ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين

[الحاقة: 44-46].

وثانيها: قوله:

قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي

[يونس: 15].

وثالثها: قوله:

وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى

[النجم: 3-4].

ورابعها: قوله تعالى:

وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينآ إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا

[الإسراء: 73] وكلمة (كاد) عند بعضهم معناها أنه لم يحصل.

وخامسها: قوله:

ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا

[الإسراء: 74] وكلمة (لولا) تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره. فدل على أن ذلك الركون القليل لم يحصل.

وسادسها: إلى قوله:

كذلك لنثبت به فؤادك

[الفرقان: 32].

وسابعها: قوله:

سنقرئك فلا تنسى

[الأعلى: 6].

وأما السنة فهي ما روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة، أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة. وصنف فيه كتابا.

وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم. وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي عليه السلام قرأ سورة (والنجم) وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن.

وليس فيه حديث الغرانيق. وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق.

وأما المعقول فمن وجوه:

أحدها: أن من جوز على الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيم الأوثان، فقد كفر. لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان.

وثانيها: أنه عليه السلام ما كان يمكنه في أول الأمر أن يصلي ويقرأ القرآن عند الكعبة آمنا أذى المشركين له. حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه. وإنما كان يصلي، إذا لم يحضروها، ليلا، أو في أوقات خلوة. وذلك يبطل قولهم.

وثالثها: أن معاداتهم للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القراءة، دون أن يقفوا على حقيقة الأمر. فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجدا؟ مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم.

ورابعها: قوله:

فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته

[الحج: 52] وذلك لأن إحكام الآيات بإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول، أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تبقى الشبهة معها. فإذا أراد الله إحكام الآيات، لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآنا، فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلا، أولى.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٠٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٠٧٣