22.52
﴿ ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ﴾ أي: رغب في انتشار دعوته، وسرعة علو شرعته ﴿ ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ أي: بما يصد عنها، ويصرف المدعوين عن إجابتها ﴿ فينسخ الله ما يلقي الشيطان ﴾ أي: يبطله ويمحقه ﴿ ثم يحكم الله آياته ﴾ أي: يثبتها
فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض
[الرعد: 17] ﴿ والله عليم ﴾ يعلم الإلقاءات الشيطانية، وطريق نسخها من وجه وحيه. ﴿ حكيم ﴾ يحكم آياته بحكمته.
ثم أشار إلى أن من مقتضيات حكمته أنه يجعل الإلقاء الشيطاني فتنة للشاكين المنافقين والقاسية قلوبهم عن قبول الحق، ابتلاء لهم ليزدادوا إثما. ورحمة للمؤمنين ليزدادوا ثباتا واستقامة، فقال تعالى: ﴿ ليجعل ما يلقي... ﴾.
22.53
﴿ ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ﴾ أي: شك وارتياب ﴿ والقاسية قلوبهم ﴾ وهم العتاة المتمردون ﴿ وإن الظالمين لفي شقاق ﴾ أي: خلاف للحق ﴿ بعيد ﴾ عن موافقته جدا، بسبب ظلمهم وشركهم.
22.54
﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ﴾ أي: بالانقياد، والخشية. والضمير للقرآن أو لله تعالى: ﴿ وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ﴾ أي: إلى طريق الحق والاستقامة، فلا تزل أقدامهم بقبول ما يلقي الشيطان، ولا تقبل قلوبهم إلا ما يلقي الرحمن، لصفائها. هذا هو الصواب في تفسير الآية. ولها نظائر تظهر المراد منها كما أشرنا إليه، لو احتاجت إلى نظير. ولكنها بينة بنفسها، غنية عن التطويل في التأويل، لولا ما أحوج المحققين إلى رد ما دسه بعض الرواة هنا من الأباطيل. ونحن نسوق ما قيل فيها من ذلك، ثم نتبعه بنقد المحققين، لئلا يبقى في نفس الواقف حاجة.
قال ابن جرير الطبري: قيل: إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الشيطان كان ألقى على لسانه، في بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن، ما لم ينزل الله عليه. فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم واغتم به، فسلاه الله مما به من ذلك، بهذه الآيات. ثم ذكر من قال ذلك. فأسند عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس وغيرهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس في ناد من أندية قريش، كثير أهله، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه. فأنزل الله عليه:
والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى
[النجم: 1-2] فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ
أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى
[النجم: 19-20]، ألقى عليه الشيطان كلمتين (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) فتكلم بها، ثم مضى فقرأ السورة كلها. فسجد في آخر السورة وسجد القوم جميعا معه ورضوا بما تكلم به.
قالا: فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام فعرض عليه السورة. فلما بلغ الكلمتين المذكورتين قال: ما جئتك بهاتين. فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله تبارك وتعالى عليه يعزيه
ومآ أرسلنا من قبلك...
[الحج: 52] الآية.
وقال القاضي عياض في (الشفا): اعلم أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما في توهين أصله، والثاني على تسليمه.
أما المأخذ الأول، فيكفيك أن هذا لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل. وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفاسير. وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف بعض نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته.
ومن حكيت عنه هذه الحكاية من المفسرين والتابعين، لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب. وأكثر الطرق عنهم فيها، واهية ضعيفة، والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب (الشك في الحديث) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة، وذكر القصة.