22.3
﴿ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ﴾ أي: يخاصم في شأنه تعالى بغير علم. فيزعم أنه غير قادر على إحياء من قد بلي وصار ترابا، ونحو ذلك من الأباطيل ﴿ ويتبع ﴾ أي: في جداله ﴿ كل شيطان مريد ﴾ أي: عات متمرد. كرؤساء الكفر الصادين عن الحق. ثم أشار لوصف آخر لهذا الشيطان المتبع، بقوله تعالى: ﴿ كتب عليه... ﴾.
22.4
﴿ كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ﴾ أي: قضى على الشيطان أنه يضل من تولاه بأن اتخذه وليا، وتبعه، ولا يهديه إلى الحق، بل يسوقه إلى عذاب جهنم الموقدة. وسوقه إياه إليه، بدعائه إلى طاعته ومعصية الرحمن.
تنبيه
قيل: نزلت الآية في النضر بن الحارث، وكان جدلا.
قال الزمخشري: وهي عامة في كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على الله وما لا يجوز، من الصفات والأفعال. ولا يرجع إلى علم، ولا يعض فيه بضرس قاطع. وليس فيه اتباع للبرهان ولا نزول على النصفة فهو يخبط خبط عشواء، غير فارق بين الحق والباطل. انتهى.
ثم بين تعالى الحجة القاطعة لما يجادلون فيه، بقوله: ﴿ يأيها الناس... ﴾.
22.5
﴿ يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث ﴾ أي: من إمكانه وكونه مقدورا له تعالى. أو من وقوعه ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي: خلقنا أول آبائكم، أو أول موادكم، وهو المني, من تراب. إذ خلق من أغذية متولدة منه. وغاية أمر البعث أنه خلق من التراب ﴿ ثم من نطفة ﴾ أي: تولدت من الأغذية الترابية ﴿ ثم من علقة ﴾ أي: قطعة من الدم جامدة ﴿ ثم من مضغة ﴾ أي: قطعة من اللحم بقدر ما يمضغ ﴿ مخلقة وغير مخلقة ﴾ أي: مصورة وغير مصورة. والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولا قطعة لم يظهر فيها شيء من الأعضاء. ثم ظهرت بعد ذلك شيئا فشيئا ﴿ لنبين لكم ﴾ أي: بهذا التدريج، قدرتنا وحكمتنا، وأن ما قبل التغير والفساد والتكون مرة، قبلها أخرى. وأن من قدر على تغييره وتصويره أولا، قدر على ذلك ثانيا. ﴿ ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت الوضع.
قال أبو السعود: استئناف مسوق لبيان حالهم، بعد تمام خلقهم. وعدم نظم هذا وما عطف عليه في سلك الخلق المعلل بالتبيين، مع كونهما من متمماته، ومن مبادئ التبيين أيضا. لما أن دلالة الأول على كمال قدرته تعالى على جميع المقدورات، التي من جملتها البعث المبحوث عنه، أجلى وأظهر. أي: ونحن نقر في الأرحام بعد ذلك ما نشاء أن نقره فيها إلى أجل مسمى.
﴿ ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ أي: كمال قوتكم وعقلكم. قال أبو السعود علة ل ﴿ نخرجكم ﴾ معطوفة على علة أخرى مناصبة لها. كأنه قيل: ثم نخرجكم لتكبروا شيئا فشيئا. ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والتمييز ﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ أي: بعد بلوغ الأشد أو قبله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وهو الهرم والخرف. والأرذل الأردأ ﴿ لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ﴾ أي: من بعد علم كثير، شيئا من الأشياء، أو شيئا من العلم، مبالغة في انتقاص علمه وانتكاس حاله واللام لام العاقبة.
قال البيضاوي: والآية - يعني: ﴿ ثم نخرجكم... ﴾ الخ - استدلال ثان على إمكان البعث، بما يعتري الإنسان في أسنانه من الأمور المختلفة والأحوال المتضادة. فإن من قدر على ذلك قدر على نظائره.
ثم أشار تعالى إلى حجة أخرى على صحة البعث، بقوله: ﴿ وترى الأرض هامدة ﴾ أي: ميتة يابسة ﴿ فإذآ أنزلنا عليها المآء ﴾ أي: المطر ﴿ اهتزت ﴾ أي: تحركت بالنبات ﴿ وربت ﴾ أي: انتفخت وعلت، لما يتداخلها من الماء ويعلو من نباتها ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي: صنف ﴿ بهيج ﴾ أي: حسن رائق يسر ناظره وهذه الحجة الثالثة، لظهورها وكونها مشاهدة معاينة، يكررها الله تعالى في كتابه الكريم.