تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعن إبراهيم قال: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم. فرخص للمسلمين فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل.

قال في (الإكليل): والأمر للاستحباب حيث لم يكن الدم واجبا بإطعام الفقراء. وأباح مالك الأكل من الهدي الواجب، إلا جزاء الصيد والأذى والنذر، وأباحه أحمد، إلا من جزاء الصيد والنذر. وأباح الحسن الأكل من الجميع تمسكا بعموم الآية. وذهب قوم إلى أن الأكل من الأضحية واجب، لظاهر الأمر. وقوم إلى أن التصدق منها ندب، وحملوا الأمر عليه. ولا تحديد فيما يؤكل أو يتصدق به، لإطلاق الآية. انتهى.

﴿ وأطعموا البآئس ﴾ أي: الذي أصابه بؤس أي: شدة ﴿ الفقير ﴾ أي: الذي أضعفه الإعسار، والأمر هنا للوجوب. وقد قيل به في الأول أيضا.

22.29-31

﴿ ثم ﴾ أي: بعد الذبح ﴿ ليقضوا تفثهم ﴾ أي: ليؤدوا إزالة وسخهم من الإحرام، بالحلق والتقصير وقص الأظفار ولبس الثياب ﴿ وليوفوا نذورهم ﴾ أي: ما ينذرونه من أعمال البر في حجهم ﴿ وليطوفوا بالبيت العتيق ﴾ أي: طواف الإفاضة. وهو طواف الزيارة الذي هو من أركان الحج. ويقع به تمام التحلل. و(العتيق) القديم. لأنه أول بيت وضع للناس. أو المعتق من تسلط الجبابرة ﴿ ذلك ﴾ خبر محذوف. أي: الأمر ذلك. وهو وأمثاله من أسماء الإشارة، تطلق للفصل بين الكلامين، أو بين وجهي كلام واحد. قال الشهاب: والمشهور في الفصل ﴿ ذا ﴾ كقوله:

هذا وإن للطاغين لشر مآب

[ص: 55]، واختيار (ذلك) هنا لدلالته على تعظيم الأمر وبعد منزلته. وهو من الاقتضاب القريب من التخلص، لملائمة ما بعده لما قبله، كما هنا ﴿ ومن يعظم حرمات الله ﴾ أي: أحكامه. أو الحرم وما يتعلق بالحج من المناسك و(الحرمات) جمع حرمة وهو ما لا يحل هتكه، بل يحترم شرعا ﴿ فهو خير له عند ربه ﴾ أي: ثوابا. و(خير) اسم تفضيل حذف متعلقه. أي: من غيره، أو ليس المراد به التفضيل فلا يحتاج لتقدير، قاله الشهاب. والثاني هو الأظهر، لأنه أسلوب التنزيل في موضع لا يظهر التفاضل فيها. وإيثاره، مع ذلك، لرقة لفظه، وجمعه بين الحسن والروعة ﴿ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ أي: آية تحريمه. وذلك قوله في سورة المائدة

حرمت عليكم الميتة والدم

[المائدة: 3] والمعنى: أن الله قد أحل لكم الأنعام كلها، إلا ما استثناه في كتابه. فحافظوا على حدوده. وإياكم أن تحرموا مما أحل لكم شيئا. كتحريم عبدة الأوثان البحيرة والسائبة وغير ذلك. وأن تحلوا مما حرم الله. كإحلالهم أكل الموقوذة والميتة وغير ذلك. أفاده الزمخشري.

﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان ﴾ تفريع على ما سبق من تعظيم حرماته تعالى. فإن ترك الشرك واجتناب الأوثان من أعظم المحافظة على حدوده تعالى. و(من) بيانية. أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، كما تجتنب الأنجاس. وهو غاية المبالغة في النهي عن تعظيمها والتنفير عن عبادتها. قال الزمخشري: سمى الأوثان رجسا وكذلك الخمر والميسر والأزلام، على طريق التشبيه. يعني أنكم، كما تنفرون بطباعكم عن الرجس وتجتنبونه، فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء مثل تلك النفرة. ونبه على هذا المعنى بقوله:

رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه

[المائدة: 90]، جعل العلة في اجتنابه أنه رجس، والرجس مجتنب.

وقوله تعالى: ﴿ واجتنبوا قول الزور ﴾ تعميم بعد تخصيص. فإن عبادة الأوثان رأس الزور. كأنه لما حث على تعظيم الحرمات، أتبعه ذلك، ردا لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب. وتعظيم الأوثان والافتراء على الله تعالى بأنه حكم بذلك، وإعلاما بأن توحيد الله ونفي الشركاء عنه، وصدق القول، أعظم الحرمات وأسبقها خطوا ﴿ حنفآء لله ﴾ مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل إلى الحق ﴿ غير مشركين به ﴾ أي: شيئا من الأشياء.

ثم ضرب للمشرك مثلا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى، فقال تعالى: ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء فتخطفه الطير ﴾ أي: سقط منها فقطعته الطيور في الهواء ﴿ أو تهوي به الريح ﴾ أي: تقذفه: ﴿ في مكان سحيق ﴾ أي: بعيد مهلك لمن هوى فيه. و(أو) للتخيير أو التنويع.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٠٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٠٦٠