ولعل الاكتفاء ببيان المبدأ والمنتهي في أوقات الصلوات من غير فصل بينها، لما أن الإنسان فيما بين هذه الأوقات على اليقظة. فبعضها متصل ببعض، بخلاف أول وقت العشاء والفجر فإنه باشتغاله فيما بينهما بالنوم، ينقطع أحدهما عن الآخر؛ ولذلك فصل وقت الفجر عن سائر الأوقات. انتهى.
والظاهر أن مستند من جوز الجمع في الحضر مطلقا هذه الآية، مع أثر ابن عباس.
جاء في (رحمة الأمة) ما مثاله: وعن ابن سيرين أنه يجوز الجمع من غير خوف ولا مرض لحاجة ما لم يتخذه عادة. واختار ابن المنذر وجماعة جواز الجمع في الحضر من غير خوف ولا مطر ولا مرض. انتهى.
وقد روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة سبعا وثمانيا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
ومن رواية لمسلم: صلى الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، من غير خوف ولا سفر. وكثير من الرواة حملوا ذلك على ليلة مطيرة. والمسألة شهيرة.
الثاني: قلنا: إن هذه الآية إحدى الآيات التي جمعت الصلوات الخمس، ومنها قوله تعالى:
وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من اليل
[هود: 114] فالطرف الأول صلاة الفجر فإن صلاة الفجر في النهار. فإن الصائم يصوم النهار. وهو يصوم من طلوع الفجر. والوتر تصلى بالليل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة "
وإذا قيل: نصف النهار، فالمراد به النهار المبتدئ من طلوع الشمس. فهذا في هذا الموضوع، ولفظ ﴿ النهار ﴾ يراد به من طلوع الفجر، ويراد به من طلوع الشمس. لكن قوله:
وأقم الصلاة طرفي النهار
[هود: 114] أريد به من طلوع الفجر بلا ريب؛ لأن ما بعد طلوع الشمس ليس على المسلمين فيه صلاة واجبة، بل ولا مستحبة. بل الصلاة في أول الطلوع منهي عنها حتى ترتفع الشمس. وهل تستحب الصلاة لوقت الضحى أو لا تستحب إلا لأمر عارض؟ فيه نزاع ليس هذا موضعه. فعلم أنه أراد بالطرف الأول من طلوع الفجر. وأما الطرف الثاني فمن الزوال إلى الغروب. فجعل الصلاة في هذا الوقت صلاة في الطرف الثاني وأشرك بينهما فيه، ثم قال:
وزلفا من اليل
[هود: 114] فأجمل المغرب والعشاء في ﴿ وزلفا من اليل ﴾ وهي ساعات من الليل. فالمواقيت هنا ثلاثة.
وقال تعالى:
ليستأذنكم الذين ملكت أيمنكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلوة الفجر وحين تضعون ثيبكم من الظهيرة ومن بعد صلوة العشآء
[النور: 58] فذكر الفجر وذكر الظهر وذكر صلاة العشاء. فمن الظهيرة إلى ما بعد صلاة العشاء وقتان للصلاة. وقد ذكر الأول من هذا الوقت والآخر من هذا الوقت. وقد دل على المواقيت في آيات أخر كقوله تعالى:
فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السموت والأرض وعشيا وحين تظهرون
[الروم: 17-18] فتبين أن له التسبيح والحمد في السماوات والأرض، حين المساء وحين الصباح وعشيا وحين الإظهار. فالمساء، يتناول المغرب والعشاء، والصباح يتناول الفجر، والعشي يتناول العصر. والإظهار يتناول الظهر.
وقال تعالى:
وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنآء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى
[طه: 130] وفي الآية الأخرى:
قبل طلوع الشمس وقبل الغروب * ومن الليل فسبحه وأدبار السجود
[ق: 39-40] فقبل طلوع الشمس هي صلاة الفجر. وقبل غروبها هي العصر. وبذلك فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال:
" إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر. فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا "
ثم قرأ قوله تعالى:
وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها
[طه: 130] وقوله تعالى: