تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقل للعيون الرمد إياك أن تري

سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا

انتهى كلام ابن القيم.

وقال العلامة سعدي في (حواشي البيضاوي): والمعراج بروحه في اليقظة - وهو الذي أشار إليه ابن القيم - خارق أيضا للعادة. انتهى.

وتعقب العلامة القنوي له: بأنه نوع مراقبة وانسلاخ، والذي ذهب إليه الصوفية ساقط؛ لأنه فوقه بكثير. بل غيره كما تبين قبل. وبالجملة، فالذي فهمه الأكثرون من قول عائشة ومعاوية وحذيفة والحسن؛ أن ذلك رؤيا منام. وما ذكره ابن القيم من أنه إسراء بالروح - فيحتمله اللفظ المأثور عنهم.

ونظيره قوله بعضهم: إن ذلك كان أمرا إعجازيا. والحقيقة أنه كشف روحاني. وقد قرروا في عدم استحالة كونه يقظة بالروح والجسم؛ أن خالق العالم قادر على كل الممكنات. وحصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسده صلى الله عليه وسلم ممكن. فوجب كونه تعالى قادرا عليه. وغاية ما في الباب أنه خلاف العادة. والمعجزات كلها كذلك. وفي (العقائد النسفية وحواشيها): الخرق والالتئام على السماوات جائز؛ لأن الأجسام كلها متماثلة في تركبها من الجواهر المفردة، فيصح على كل ما يصح على الآخر. فالأجسام العنصرية قابلة للخرق والالتئام. وكذا الأجسام الفلكية.

والله تعالى قادر على الممكنات كلها. فيكون قادرا على الخرق في السماوات؛ لأنه ممكن فيها. وفي الرازي براهين أخر. فانظرها.

جاء في كتاب (إظهار الحق): أن بعض أهل الكتاب مارى في المعراج، فبكت بأن صعود الجسم العنصري إلى الأفلاك صرحت به التوراة الموجودة لديهم في (أخنوخ). وأنه نقل حيا إلى السماء لئلا يرى الموت. كما في الفصل الخامس من سفر التكوين. وصرحت في صعود (إليا) في الفصل الثاني من سفر الملوك. وفي إنجيل مرقس في الفصل السادس عشر التصريح برفع المسيح عليه السلام إلى السماء. انتهى.

أقول: أخنوخ هو إدريس عليه السلام المنوه به في قوله تعالى:

ورفعناه مكانا عليا

[مريم: 57]، وإيليا نبي أرسل إلى آحاب أحد ملوك اليهود الكفرة، الذين شهروا عبادة بعل وغيره من الأصنام بالسامرة. وتسمى الآن: سبسطية: من قسم الأرض المقدسة. زعموا أنه ظهرت على يد إيليا خوارق باهرة. وأنه قتل سدنة بعل وهدم مذبحه. إلى أن ارتفع في مركبة نارية وخيل نارية نحو السماء. جانب نهر الأردن في بطاح أريحا. شاهده خليفته اليشاع النبي بعده. كذا في تاريخ الكتاب المقدس، و (إيليا) هو إلياس، و (اليشاع) هو اليسع المذكوران في القرآن المجيد. وقد نوه بالأول في سورة الصافات بقوله تعالى:

وإن إلياس لمن المرسلين * إذ قال لقومه ألا تتقون * أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبآئكم الأولين

[الصافات: 123-126].

السادس: قيل: إن المسجد الأقصى في زمن الإسراء كان خرابا. بشهادة التاريخ. وذلك لأن سليمان عليه السلام بناه على مكان الصخرة. ثم خرب وألقيت على الصخرة زبالة البلد عنادا لليهود. وبقي كذلك حتى فتح أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه القدس. انظر (تاريخ أبي الفدا) وغيره. فكيف أطلق عليه اسم المسجد؟ وأجيب: بأن المسجد في حال هدمه يسمى مسجدا، باعتبار ما كان عليه وما وضع له. كما أطلق المسجد على حرم مكة، وهو لم يكن يومئذ مسجدا، وإنما كان بيتا للأصنام.

لكن إبراهيم وإسماعيل، لما بنيا الكعبة للعبادة الصحيحة، كما بنى سليمان هيكله هذا لها، سمي مسجدا بهذا الاعتبار. أو يقال: إنه أطلق عليهما اسم المسجد للإشارة إلى ما يؤول إليه أمرهما. وهو كونهما مسجدين للمسلمين.

السابع: في التفاضل بين ليلة القدر وليلة الإسراء. سئل الإمام تقي الدين أحمد بن تيمية رضي الله عنه، عن رجل قال: ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، وقال آخر: بل ليلة القدر أفضل. فأيهما المصيب؟ فأجاب: أما القائل بأن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، إن أراد به أن تكون الليلة التي أسري فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم ونظائرها من كل عام أفضل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من ليلة القدر، بحيث يكون قيامها والدعاء فيها أفضل منه في ليلة القدر.

محاسن التأويل · الصفحة ١٨٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٨٠٢