تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي بعض هذه الأخبار:

" فأخذ، يعني جبريل، بيدي، فعرج بي إلى السماء "

إلى قوله:

" ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام "

وأنه وصل إلى سدرة المنتهى، وأنه دخل الجنة ورأى فيها ما ذكره. قال ابن عباس: هي رؤيا عين رآها النبي صلى الله عليه وسلم، لا رؤيا منام.

وعن الحسن فيه:

" بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني بعقبه فجلست فلم أر شيئا. فعدت لمضجعي "

ذكر ذلك ثلاثا، فقال في الثالثة: فأخذ بعضدي فجرني إلى باب المسجد، فإذا بدابة. وذكر خبر البراق.

وعن أم هانئ: ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي تلك الليلة. صلى العشاء الآخر ونام بيننا. فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما صلى الصبح وصلينا قال:

" يا أم هانئ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة، كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه. ثم صليت الغداة معكم الآن كما ترون "

وهذا بين في أنه بجسمه.

وعن أبي بكر (من رواية شداد بن أوس عنه) أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به: طلبتك يا رسول الله البارحة في مكانك فلم أجدك. فأجابه: " أن جبريل حمله إلى المسجد الأقصى ".

وعن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" صليت ليلة أسري بي في مقدم المسجد ثم دخلت الصخرة "

- وهذه التصريحات ظاهرة غير مستحيلة، فتحمل على ظاهرها.

وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:

" فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ثم أخذ بيدي فعرج بي ".

وعن أنس:

" أتيت فانطلقوا بي إلى زمزم "

وعن أبي هريرة:

" لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء لم أثبتها، فكربت كربا ما كربت مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه "

ونحوه عن جابر.

وقد روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث الإسراء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:

" ثم رجعت إلى خديجة وما تحولت عن جانبها ".

ثم قال القاضي عياض (في إبطال حجج من قال إنها نوم): احتجوا بقوله:

وما جعلنا الرءيا

[الإسراء: 60] فسماها ﴿ رءيا ﴾. قلنا: قوله: ﴿ سبحان الذى أسرى بعبده ﴾ يرده لأنه لا يقال في النوم (أسرى). وقوله:

فتنة للناس

[الإسراء: 60] يؤيد أنها رؤيا عين وإسراء شخص. إذ ليس في الحلم فتنة ولا يكذب به أحد؛ لأن كل أحد يرى مثل ذلك في منامه من الكون في ساعة واحدة في أقطار متباينة. على أن المفسرين قد اختلفوا في هذه الآية. فذهب بعضهم إلى أنها نزلت في قصة الحديبية وما وقع في نفوس الناس من ذلك. وقيل غير هذا.

وأما قولهم: إنه قد سماها في الحديث مناما، وقوله في حديث آخر: بين النائم واليقظان. وقوله أيضا: وهو نائم. وقوله: ثم استيقظت " فلا حجة فيه، إذ يحتمل أن أول وصول الملك إليه كان وهو نائم، أو أول حلمه والإسراء به وهو نائم. وليس في الحديث أنه كان نائما في القصة كلها إلا ما يدل عليه

" ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام "

فلعل قوله: " استيقظت " بمعنى أصبحت. أو استيقظ من نوم آخر بعد وصوله بيته. ويدل عليه أن مسراه لم يكن طول ليله، وإنما كان في بعضه. وقد يكون قوله: " استيقظت وأنا في المسجد الحرام " لما كان غمره من عجائب ما طالع من ملكوت السماوات والأرض، وخامر بطنه من مشاهدة الملأ الأعلى، وما رأى من آيات ربه الكبرى. فلم يستفق ويرجع إلى حال البشرية إلا وهو بالمسجد الحرام.

ووجه ثالث؛ أن يكون نومه واستيقاظه حقيقة على مقتضى لفظه ولكنه أسري بجسده وقلبه حاضر. ورؤيا الأنبياء حق. تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.

وقد مال بعض أصحاب الإشارات إلى نحو من هذا. قال: تغميض عينيه لئلا يشغله شيء من المحسوسات عن الله، ولا يصح هذا أن يكون في وقت صلاته بالأنبياء، ولعله كانت له في هذا الإسراء حالات.

ووجه رابع، وهو أن يعبر بالنوم ههنا عن هيئة النائم من الاضطجاع. ويقويه قوله في رواية عبد بن حميد عن همام: (بينا أنا نائم وربما قال مضطجع) وفي رواية هدبة عنه: (بينا أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجع).

محاسن التأويل · الصفحة ١٨٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٨٠٠