وقد قيل في خصائص (الأقصا): إنه متعبد الأنبياء السابقين، ومسرى خاتم النبيين، ومعراجه إلى السماوات العلى والمشهد الأسمى. بيت نوه الله به في الآيات المفصلة، وتليت فيه الكتب الأربعة المنزلة. لأجله أمسك الله الشمس على يوشع أن تغرب ليتيسر فتحه على من وعدوا به ويقرب. وهو قبلة الصلاة في الملتين، وفي صدر الإسلام بعد الهجرتين. وهو أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين. لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه. انتهى. ومن فضائله ما رواه الإمام أحمد والنسائي والحاكم وصححه، عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه ثلاثا. فأعطاه اثنتين وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة: سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد - يعني بيت المقدس - خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه "
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ونحن نرجو أن يكون الله أعطاه ذلك ".
وروي أن ابن عمر كان إذا دخله لا يشرب من مائه. تجريدا لقصد الصلاة.
وقال الشيرازي في (عرائس البيان): كان بداية المعراج الذهاب إلى الأقصى؛ لأن هناك الآيات الكبرى من أنوار تجليه تعالى لأرواح الأنبياء وأشباحهم. وهناك بقربه طور سينا وطور زيتا ومقام إبراهيم وموسى وعيسى في تلك الجبال، مواضع كشوف الحق. لذلك قال: ﴿ باركنا حوله ﴾. انتهى.
والالتفات في: ﴿ باركنا ﴾ لتعظيم ما ذكر؛ لأن فعل العظيم يكون عظيما. لا سيما إذا عبر عنه بصيغة التعظيم. والنكتة العامة تنشيط السامعين.
وقوله تعالى: ﴿ لنريه من آياتنآ ﴾ إشارة إلى حكمة الإسراء. أي: لكي نري محمدا صلى الله عليه وسلم من آياتنا العظيمة التي من جملتها ذهابه في برهة من الليل، مسيرة شهر، ومشاهدة بيت المقدس وتمثيل الأنبياء له ووقوفه على مقاماتهم العلية.
قيل: أراد تعالى أن يريه صلى الله عليه وسلم من الآيات الحسية بعد ما أراه الآيات العقلية؛ لأن الآيات الحسية أكبر في قطع الشبهة ودفع الوساوس من العقلية. إذ لا يشك أحد فيما كان سبيل معرفته الحس والعيان. وقد تعترض الشبهة والوساوس في العقليات؛ لأنه لا يشك أحد في نفسه أنه هو. فشاء عز وجل أن يري رسوله آيات حسية فتدفع المنصفين إلى قبولها والإيمان بها والإقرار له بالرسالة. إذ ليس ذلك عمل سحر ولا افتراء ولا أساطير الأولين، كذا يستفاد من (التأويلات) لأبي منصور.
وما أحسن ما قاله ابن إسحاق: كان في مسراه صلى الله عليه وسلم وما ذكر منه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله في قدرته وسلطانه. فيه عبرة لأولي الألباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن بالله وصدق. وكان من أمر الله سبحانه وتعالى على يقين. فأسرى به سبحانه وتعالى كيف شاء ليريه من آياته ما أراد. حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يريد. انتهى.
وقوله تعالى: ﴿ إنه هو السميع البصير ﴾ أي: السميع لأقوال عباده وأفعالهم فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
تنبيهات
الأول: دلت هذه الآية على ثبوت الإسراء، وهو سير النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ليلا. وأما العروج إلى السماوات وإلى ما فوق العرش فهذه الآية لا تدل عليه. ومنهم من يستدل عليه بأول سورة النجم. والكلام عليه ثمة.
الثاني: ذهب الأكثرون إلى أن الإسراء كان بعد المبعث، وأنه قبل الهجرة بسنة. قاله الزهري وابن سعد وغيرهما. وبه جزم النووي، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه. وقال: كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوة.
وفي (إنسان العيون): أن تلك الليلة كانت ليلة سبع عشرة. وقيل: سبع وعشرين خلت من ربيع الأول، وقيل: ليلة تسع وعشرين خلت من رمضان، وقيل: سبع وعشرين خلت من ربيع الآخر، وقيل: من رجب واختار هذا الأخير، الحافظ عبد الغني المقدسي قال: وعليه عمل الناس.