تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما دم العمد فإذا صولح فيه على طعام فإنه يمنع أيضا من بيعه قبل قبضه. وهذا يتضح إذا قيل إن لولي القتيل أن يجبر القاتل على الدية إن لم يرض بدفعها للقاتل (2)، لأنه يكون على هذه الطريقة كمن أخذ طعاما عن مال وجب له على رجل.

وأما الكتابة على طعام فإنه لا يجوز للسيد أن يبيعه، قبل قبضه له، من غير عبده؛ لأن الطعام ها هنا كالعوض عن رقبة العبد فهي معاوضة مالية، فلحقت بالبيوع والعقود المالية. وأما بيعه قبل قبضه من المكاتب إن عجل عتقه بهذا البيع جاز ذلك، كما يجوز غير هذا مما يحرم في المعاوضات، إذا عجل للسيد مما أخذ عن الكتابة عتق عبده، لأجل حرمة العتق ومعرفة (3) السيد على

تحرير رقبته، والعبد على التخلص من أسر الرق، فبعد ها هنا تصور المكايسة من السيد وعبده. وإذا كان القصد الرفق والمعروف تغيرت الأحكام في العقود، كالعرايا التي رخصت فيها، واستثنيت من الأصل المحرم لما كان القصد فيه الإحسان والمعروف، على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله.

وأما لو باع نجما واحدا من الطعام وبقي العبد مطلوبا ببقية النجوم فإن في هذا اختلافا: هل يمنع لفقد الدلالة على أنهما لم يقصدا المكايسة أو يجوز لكون الكتابة ليست بدين ثابت فيصير في ذمة المكاتب، على ما سيرد بيانه في كتاب المكاتب إن شاء الله.

ويلحق بما نحن فيه من تفصيل حال المالك تفصيل حال المالكين فإنه قد منع في كتاب الصلاة من المدونة أن يشتري المسلم من النصراني طعاما اشتراه النصراني وأراد بيعه قبل قبضه، ورأى أن قوله عليه السلام "من ابتاع طعاما ... " الحديث، يخاطب به النصراني، كما يخاطب به المسلم، بناء على القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ومعاقبون في الآخرة على معصية الأوامر التي توجهت على المسلمين، وتوجهت عليهم ولكن بشرط أن يقدموا الإيمان. وإذا كان النصراني عاصيا في هذا الفصل لم ينبغ لمسلم أن يعينه على معصية، فلهذا نهى مالك رضي الله عنه أن يشتري من النصراني طعاما لم يقبضه.

وقد عورض هذا بأن أم الولد النصراني إذا أسلمت بيعت عليه، مع كونه مخاطبا بأن لا يبيع أم ولده على هذه الطريقة، وإذا بيعت عليه فقد أعين على معصية في أخذ ثمنها.

وقد يعتذر عن هذا بأن بقاءها في ملكه محرم أيضا فعدل عنه إلى ما هو أخف منه وهو بيعها لأجل الضرورة الداعية، ولا ضرورة بالمسلم في شراء طعام من نصراني لم يقبضه. ولعلنا أن نبسط الكلام في بيعها إذا أسلمت في موضعه إن شاء الله تعالى.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٩٨